تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 104 إلى 108 ] نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ( 104 ) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ( 108 )
شرح
وإلا فحالهم أفظع من أن تمكنهم من الاشتغال بتذكر أيام النعمة والسرور واستقصارها والتأسف 104 عليها( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ )وهو مدة لبثهم( إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً )أي أعدلهم رأيا أو عملا( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً )ونسبة هذا القول إلى أمثلهم استرجاح منه تعالى له لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق بل 105 لكونه أدل على شدة الهول( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ )أي عن مآل أمرها وقد سأل عنه رجل من ثقيف وقيل مشركو مكة على طريق الاستهزاء( فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً )أي يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح 106 فتفرقها والفاء للمسارعة إلى إلزام السائلين( فَيَذَرُها )الضمير إما للجبال باعتبار أجزائها السافلة الباقية بعد النسف وهي مقارها ومراكزها أي فيذر ما انبسط منها وساوى سطحه سطوح سائر أجزاء الأرض بعد نسف ما نتأ منها ونشز وإما للأرض المدلول عليها بقرينة الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال وعلى التقديرين يذر الكل( قاعاً صَفْصَفاً )لأن الجبال إذا سويت وجعل سطحها مساويا لسطوح سائر أجزاء الأرض فقد جعل الكل سطحا واحدا والقاع قيل السهل وقيل المنكشف من الأرض وقيل المستوى الصلب منها وقيل ما لا نبات فيه ولا بناء والصفصف الأرض المستوية الملساء كان أجزاءه صف واحد من كل جهة وانتصاب قاعا على الحالية من الضمير المنصوب أو هو مفعول ثان ليذر على تضمين معنى 107 التصيير وصفصفا إما حال ثانية أو بدل من المفعول الثاني وقوله تعالى( لا تَرى فِيها )أي في مقار الجبال أو في الأرض على ما مر من التفصيل( عِوَجاً )بكسر العين أي اعوجاجا ما كأنه لغاية خفائه من قبيل ما في المعاني أي لا تدركه إن تأملت بالمقاييس الهندسية( وَلا أَمْتاً )أي نتوءا يسيرا استئناف مبين لكيفية ما سبق من القاع الصفصف أو حال أخرى أو صفة لقاعا والخطاب لكل أحد ممن تتأتى منه الرؤية وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه 108 من طول ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم( يَوْمَئِذٍ )أي يوم إذ نسفت الجبال على إضافة اليوم إلى وقت النسف وهو ظرف لقوله تعالى( يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ )وقيل بدل من يوم القيامة وليس بذاك أي يتبع الناس داعى اللّه عزّ وجل إلى المحشر وهو إسرافيل عليه السلام يدعو الناس عند النفخة الثانية قائما على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة قومي إلى