تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 73 إلى 75 ] وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ( 75 )
شرح
( وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ )المنطوية على المواعظ والأحكام( لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً )أي أكبوا 73 عليها سامعين بآذان واعية مجتلين لها بعيون راعية وإنما عبر عن ذلك بنفي الضد تعريضا بما يفعله الكفرة والمنافقون وقيل الضمير للمعاصي المدلول عليها باللغو( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ )بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة اللّه عزّ وجل وشاركوه فيها يسر بهم قلبه وتقربهم عينه لما يشاهده من مشايعتهم له في مناهج الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة حسبما وعد بقوله تعالىأَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْومن ابتدائية أو بيانية وقرئ وذريتنا وتنكير الأعين لإرادة تنكير القرة تعظيما وتقليلها لأن المراد أعين المتقين ولا ريب في قلتها نظرا إلى غيرها( وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً )أي اجعلنا بحيث يقتدون بنا في إقامة مواسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل وتوحيده للدلالة على الجنس وعدم الالتباس كقوله تعالىثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًاأو لأن المراد واجعل كل واحد منا إماما أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم كذا قالوا وأنت خبير بأن مدار الكل صدور هذا الدعاء إما عن الكل بطريق المعية وأنه محال لاستحالة اجتماعهم في عصر واحد فما ظنك باجتماعهم في مجلس واحد واتفاقهم على كلمة واحدة وإما عن كل واحد منهم بطريق تشريك غيره في استدعاء الإمامة وأنه ليس بثابت جزما بل الظاهر صدوره عنهم بطريق الانفراد وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلني للمتقين إماما خلا أنه حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير للقصد إلى الإيجاز على طريقة قوله تعالىيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاًوأبقى إماما على حاله وقيل الإمام جمع آم بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم وإعادة الموصول في المواقع السبعة مع كفاية ذكر الصلات بطريق العطف على صلة الموصول الأول للإيذان بأن كل واحد مما ذكر في حيز صلة الموصولات المذكورة وصف جليل على حياله له شأن خطير حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شئ من ذلك تتمة لغيره وتوسيط العاطف بين الموصولات لتنزيل الاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما في قوله[ إلى الملك القوم وابن الهمام * وليث الكتائب في المزدحم ]( أُوْلئِكَ )إشارة إلى المتصفين 75 بما فصل في حيز صلة الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى( يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ )والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبينة لما لهم في الآخرة من السعادة الأبدية إثر بيان ما لهم في الدنيا من الأعمال السنية والغرفة الدرجة العالية من المنازل وكل بناء