تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 64 إلى 68 ] وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 )
شرح
( وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا )إشارة تحقير وازدراء للدنيا وكيف لا وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لو كانت الدنيا 64 تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء( إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ )أي إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ )أي لهى دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت والفناء عليها أو هي في ذاتها حياة للمبالغة والحيوان مصدر حي سمى به ذو الحياة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واوا لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب اللازم للحيوان ولذلك اختير على الحياة في هذا المقام المقتضى للمبالغة( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ )أي لما آثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة ثم ما يحدث فيها من الحياة عارضة سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ )65 متصل بما دل عليه شرح حالهم والركوب هو الاستعلاء على الشئ المتحرك وهو متعد بنفسه كما في قوله تعالىوَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهاواستعماله هاهنا وفي أمثاله بكلمة في للإيذان بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة وحركته قسرية غير إرادية كما مر في سورة هود والمعنى أنهم على ما وصفوا من الإشراك فإذا ركبوا في البحر ولقوا شدة( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )أي كائنين على صورة المخلصين لدينهم من المؤمنين حيث لا يدعون غير اللّه تعالى لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد عنهم إلا هو( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ )أي فاجئوا المعاودة إلى الشرك( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا )أي يفاجئون الإشراك ليكونوا كافرين 66 بما آتيناهم من نعمة الإنجاء التي حقها أن يشكروها( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )أي عاقبة ذلك وغائلته حين يرون العذاب( أَ وَلَمْ يَرَوْا )أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا( أَنَّا جَعَلْنا )أي بلدهم( حَرَماً آمِناً )مصونا من النهب والتعدي 67 سالما أهله من كل سوء( وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ )أي والحال أنهم يختلسون من حولهم قتلا وسبيا إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب( أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ )أي أبعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه بالباطل خاصة يؤمنون دون الحق( وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ )وهي المستوجبة للشكر حيث يشركون به غيره وتقديم الصلة في الموضعين لإظهار كمال شناعة ما فعلوا( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً )بأن 68