تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 20 إلى 22 ] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 ) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 22 )
شرح
ولم يعلموا علما جاريا مجرى الرؤية في الجلاء والظهور كيفية خلق اللّه تعالى الخلق ابتداء من مادة ومن غير مادة أي قد علموا ذلك وقرئ بصيغة الخطاب لتشديد الإنكار وتأكيده وقرئ يبدأ وقوله تعالى( ثُمَّ يُعِيدُهُ )عطف علىأَ وَلَمْ يَرَوْالا علىيُبْدِئُلعدم وقوع الرؤية عليه فهو إخبار بأنه تعالى يعيد الخلق * قياسا على الإبداء وقد جوز العطف على يبدئ بتأويل الإعادة بإنشائه تعالى كل سنة مثل ما أنشأه في السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما فإن ذلك مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه من غير ريب( إِنَّ ذلِكَ )أي ما ذكر من الإعادة( عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )إذ لا يفتقر فعله إلى شئ أصلا( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ )20 أمر لإبراهيم عليه السلام أن يقول لهم ذلك أي سيروا فيها( فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ )أي كيف خلقهم ابتداء على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها( ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ )بعد النشأة الأولى التي * شاهدتموها والتعبير عن الإعادة التي هي محل النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء نشأة أولى للتنبيه على أنهما شأن واحد من شؤون اللّه تعالى حقيقة واسما من حيث إن كلا منهما اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود ولا فرق بينهما إلا بالأولية والآخرية وقرئ النشاءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة ومحلها النصب على أنها مصدر مؤكد لينشئ بحذف الزوائد والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل أي ينشئ فينشئون النشأة الآخرة كما في قوله تعالىوَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناًوالجملة معطوفة على جملةسِيرُوا فِي الْأَرْضِداخلة معها في حيز القول وإظهار الاسم الجليل وإيقاعه مبتدأ مع إضماره في بدأ لإبراز مزيد الاعتناء ببيان تحقق الإعادة بالإشارة إلى علة الحكم وتكرير الإسناد وقوله تعالى( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )* تعليل لما قبله بطريق التحقيق فإن من علم قدرته تعالى على جميع الأشياء التي من جملتها الإعادة لا يتصور أن يتردد في قدرته عليها ولا في وقوعها بعد ما أخبر به( يُعَذِّبُ )أي بعد النشأة الآخرة( مَنْ يَشاءُ )أن 21 يعذبه وهم المنكرون لها حتما( وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ )أن يرحمه وهم المصدقون بها والجملة تكملة لما قبلها وتقديم التعذيب لما أن الترهيب أنسب بالمقام من الترغيب( وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ )عند ذلك لا إلى غيره فيفعل بكم ما يشاء من التعذيب والرحمة( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ )له تعالى عن إجراء حكمه وقضائه عليكم( فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ )أي بالتوارى في الأرض أو الهبوط في مهاويها ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها لو استطعتم الرقى فيها كما في قوله تعالىإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُواأو
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 35 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي