تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 81 إلى 85 ] إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 )
شرح
بكون السائل تبعا لهم في ذلك دليل واضح على أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا لا إنشاء لإنظار خاص به قد وقع إجابة لدعائه وأن استنظاره كان طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه منهم لا لتأخير العقوبة كما قيل فإن ذلك معلوم من إضافة اليوم إلى الدين أي إنك من جملة الذين أخرت آجالهم 81 أزلا حسبما تقتضيه حكمة التكوين( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ )الذي قدره اللّه وعينه لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول فالفاء ليست لربط نفس الإنظار بالاستنظار بل لربط الإخبار المذكور به كما في قول من قال [ فإن ترحم فأنت لذاك أهل ] فإنه لا إمكان لجعل الفاء فيه لربط ما له تعالى من الأهلية القديمة للرحمة بوقوع الرحمة الحادثة بل هي لربط الإخبار بتلك الأهلية للرحمة بوقوعها هذا وقد ترك التوقيت في سورة الأعراف كما ترك النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلا على ما ذكر هاهنا وفي سورة الحجر وإن خطر ببالك أن كل وجه من وجوه النظم الكريم لا بد أن يكون له مقام يقتضيه مغاير لمقام غيره وأن ما حكى من اللعين إنما صدر عنه مرة وكذا جوابه لم يقع إلا دفعة فمقام الاستنظار والإنظار إن اقتضى أحد الوجوه المحكية فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة ودرجة الإعجاز وأما ما عداه من الوجوه فهو بمعزل من بلوغ طبقة البلاغة فضلا 82 عن العروج إلى معارج الإعجاز فقد سلف تحقيقه في سورة الأعراف بفضل اللّه تعالى وتوفيقه( قالَ فَبِعِزَّتِكَ )الباء للقسم والفاء لترتيب مضمون الجملة على الإنظار ولا ينافيه قوله تعالىفَبِما أَغْوَيْتَنِيوقولهرَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِيفإن إغواءه تعالى إياه أثر من آثار قدرته تعالى وعزته وحكم من أحكام قهره وسلطنته فمآل الإقسام بهما واحد ولعل اللعين أقسم بهما جميعا فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر أي 83 فأقسم بعزتك( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ )أي ذرية آدم بتزيين المعاصي لهم( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ )وهم الذين أخلصهم اللّه تعالى لطاعته وعصمهم من الغواية وقرئ المخلصين على صيغة الفاعل أي الذين أخلصوا 84 قلوبهم وأعمالهم للّه تعالى( قالَ )أي اللّه عزّ وجل( فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ )برفع الأول على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ ونصب الثاني على أنه مفعول لما بعده قدم عليه للقصر أي لا أقول 85 إلا الحق والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فالحق قسمي( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ )على أن الحق إما اسمه تعالى
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 238 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي