تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 76 إلى 80 ] قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 )
شرح
وقوله تعالى( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ )ادعاء منه لشئ مستلزم لمنعه من السجود على زعمه وإشعار بأنه لا يليق أن يسجد 76 الفاضل للمفضول كما يعرب عنه قولهلَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍوقوله تعالى( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ )تعليل لما ادعاه من فضله عليه عليه الصلاة والسلام ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر وزل عنه ما من جهة الفاعل كما أنبأ عنه قوله تعالىلِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّوما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالىوَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِيوما من جهة الغاية وهو ملاك الأمر ولذلك أمر الملائكة بسجوده عليهم السلام حين ظهر لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض وأن له خواص ليست لغيره( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها )الفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من اللعين من المخالفة للأمر 77 الجليل وتعليلها بالأباطيل أي فأخرج من الجنة أو من زمرة الملائكة وهو المراد بالأمر بالهبوط لا الهبوط من السماء كما قيل فإن وسوسته لآدم عليه السلام بعد هذا الطرد وقد بين كيفية وسوسته في سورة البقرة وقيل اخرج من الخلقة التي كنت فيها وانسلخ منها فإنه كان يفتخر بخلقته فغير اللّه خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا وأظلم بعد ما كان نورانيا وقوله تعالى( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ )تعليل للأمر بالخروج أي مطرود من كل خير وكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي )أي إبعادى عن الرحمة وتقييدها بالإضافة مع إطلاقها في قوله تعالىوَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَلما أن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين أيضا من جهته تعالى وأنهم يدعون عليه بلعنة اللّه تعالى وإبعاده من الرحمة( إِلى يَوْمِ الدِّينِ )أي يوم الجزاء والعقوبة وفيه إيذان بأن اللعنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء لجنايته بل هي أنموذج لما سيلقاه مستمرا إلى ذلك اليوم لكن لا على أنها تنقطع يومئذ كما يوهمه ظاهر التوقيت بل على أنه سيلقى يومئذ من ألوان العذاب وأفانين العقاب ما ينسى عنده اللعنة وتصير كالزائل ألا يرى إلى قوله تعالىفَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَوقوله تعالىوَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً( قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي )أي أمهلني وأخرنى والفاء متعلقة بمحذوف ينسحب عليه الكلام أي إذا جعلتني 79 رجيما فأمهلنى ولا تمتنى( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )أي آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد يوم البعث( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ )ورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يشعر