تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
[ سورة يس ( 36 ) : آية 77 ] أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 )
شرح
والبادية التي لا يعزب عن علمنا شئ منها وفيه فضل تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتقديم السر على العلن إما للمبالغة في بيان شمول علمه تعالى لجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع استوائهما في الحقيقة فإن علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شئ في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة وإما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شئ يعلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق علمه 77 تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة( أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ )كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم أوضح دلائله وأعدل شواهده كما أن ما سبق مسوق لبيان بطلان إشراكهم باللّه تعالى بعد ما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب التوحيد والإسلام وأما ما قيل من أنه تسلية ثانية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر فكلا والهمزة للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة للمعطوف كما مر في الجملة الإنكارية السابقة أي ألم يتفكر الإنسان ولم يعلم علما يقينيا أنا خلقناه من نطفة الخ أو هي عين الجملة السابقة أعيدت تأكيدا للنكير السابق وتمهيدا لإنكار ما هو أحق منه بالإنكار والتعجيب لما أن المنكر هناك عدم علمهم بما يتعلق بخلق أسباب معايشهم وهاهنا عدم علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم ولا ريب في أن علم الإنسان بأحوال نفسه أهم وإحاطته بها أسهل وأكمل فالإنكار والتعجيب من الإخلال بذلك أدخل كأنه قيل ألم يعلموا خلقه تعالى لأسباب معايشهم ولم يعلموا خلقه تعالى لأنفسهم أيضا مع كون العلم بذلك في غاية الظهور ونهاية الأهمية على معنى أن المنكر الأول بعيد قبيح والثاني أبعد وأقبح ويجوز أن تكون الواو لعطف الجملة الإنكارية الثانية على الأولى على أنها متقدمة في الاعتبار وأن تقدم الهمزة عليها لاقتضائها الصدارة في الكلام كما هو رأى الجمهور وإيراد الإنسان مورد الضمير لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان كما في قوله تعالىأَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً* وقوله تعالى( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ )أي شديد الخصومة والجدال بالباطل عطف على الجملة المنفية داخل في حيز الإنكار والتعجيب كأنه قيل أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر يشهد بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة وإيراد الجملة الاسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها روى أن جماعة من كفار قريش منهم أبي بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك فقال لهم أبي بن خلف ألا ترون إلى ما يقول محمد أن اللّه يبعث الأموات ثم قال واللات والعزى لأصيرن إليه ولأخصمنه وأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويقول يا محمد أترى اللّه يحيى هذا بعد ما رم قال صلّى اللّه عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك جهنم فنزلت وقيل معنى قوله تعالىفَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌفإذا هو بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق قادر على الخصام مبين معرب عما في نفسه فصيح فهو حينئذ معطوف على خلقناه غير داخل تحت الإنكار والتعجيب بل هو من متممات شواهد صحة البعث فقوله تعالى