[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 57 إلى 58 ]
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 )
شرح
( وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا )هو شرف النبوة والزلفى عند اللّه عزّ وجل وقيل علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا 57 كما في قوله تعالىوَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَوقيل الجنة وقيل السماء السادسة أو الرابعة روى عن كعب وغيره في سبب رفع إدريس عليه السلام أنه سئل ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال يا رب إني قد مشيت فيها يوما وقد أصابني منها ما أصابني فكيف من يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال يا رب ما الذي قضيت فيه قال إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته قال يا رب اجعل بيني وبينه خلة فأذن اللّه تعالى له فرفعه إلى السماء( أُولئِكَ )إشارة إلى المذكورين في السورة الكريمة وما فيه من معنى 58 البعد للإشارة بعلو رتبهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى( الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ )صفته * أي أنعم عليهم بفنون النعم الدينية والدنيوية حسبما أشير إليه مجملا وقوله تعالى( مِنَ النَّبِيِّينَ )بيان للموصول * وقوله تعالى( مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ )بدل منه بإعادة الجار ويجوز أن تكون كلمة من فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم * أعم من الأنبياء وأخص من الذرية( وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ )أي ومن ذرية من حملنا معه خصوصا وهم من * عدا إدريس عليه السلام فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح( وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ )وهم الباقون *( وَإِسْرائِيلَ )عطف على إبراهيم أي ومن ذرية إسرائيل وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى * عليهم السلام وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية( وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا )أي ومن جملة من هديناهم * إلى الحق واجتبيناهم للنبوة والكرامة وقوله تعالى( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا )خبر * لأولئك ويجوز أن يكون الخبر هو الموصول وهذا استئنافا مسوقا لبيان خشيتهم من اللّه تعالى وإخباتهم له مع ما لهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من اللّه عزّ سلطانه وسجدا وبكيا حالان من ضمير خروا أي ساجدين باكين عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا والبكى جمع باك كالسجد جمع ساجد وأصله بكوى فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وحركت الكاف بالكسر المجانس للياء وقرئ يتلى بالياء التحتانية لأن التأنيث غير حقيقي وقرئ بكيا بكسر الباء للاتباع قالوا ينبغي أن يدعو الساجد في سجدته بما يليق بآيتها فههنا يقول اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك وفي آية الإسراء يقول اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وفي آية التنزيل السجدة يقول اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك .