[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 48 إلى 51 ]
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 )
شرح
( وَأَعْتَزِلُكُمْ )أي أتباعد عنك وعن قومك( وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )بالمهاجرة بديني حيث لم تؤثر فيكم 48 نصائحى( وَأَدْعُوا رَبِّي )أعبده وحده وقد جوز أن يراد به دعاؤه المذكور في تفسير سورة الشعراء ولا يبعد أن يراد به استدعاء الولد أيضا بقولهرَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَحسبما يساعده السباق والسياق( عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا )أي خائبا ضائع السعي وفيه تعريض بشقائهم في عبادة آلهتهم وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع ومراعاة حسن الأدب والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإجابة والإثابة بطريق التفضل منه عزّ وجل لا بطريق الوجوب وأن العبرة بالخاتمة وذلك من الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )بالمهاجرة إلى الشام( وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ )49 بدل من فارقهم من أقربائه الكفرة لكن لا عقيب المهاجرة فإن المشهور أن الموهوب حينئذ إسماعيل عليه السلام لقوله تعالىفَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍإثر دعائه بقولهرَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله هاهنا لبيان كمال عظم النعم التي أعطاها اللّه تعالى إياه بمقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنهما شجرتا الأنبياء لهما أولاد وأحفاد أو لو شأن خطير وذو عدد كثير هذا وقد روى أنه عليه السلام لما قصد الشأم أتى أولا حران وتزوج بسارة وولدت له إسحاق وولد لإسحاق يعقوب والأول هو الأقرب الأظهر( وَكُلًّا )أي كل واحد منهما أو منهم وهو مفعول أول لقوله تعالى( جَعَلْنا نَبِيًّا )قدم عليه للتخصيص لكن لا بالنسبة إلى من عداهم بل النسبة إلى بعضهم أي كل واحد منهم جعلنا نبيا لا بعضهم دون بعض( وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا )هي النبوة وذكرها بعد ذكر جعلهم نبيا للإيذان بأنها من باب الرحمة وقيل هي المال والأولاد وما بسط لهم من سعة الرزق وقيل هو الكتاب والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين( وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا )يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم استجابة لدعوته بقولهوَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَوالمراد باللسان ما يوجد به من الكلام ولسان العرب لغتهم وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتبدل الدول وتحول الملل والنحل( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى )قدم ذكره على ذكر 51 إسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب عليهما السلام( إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً )موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء أو أسلم وجهه للّه تعالى وأخلص نفسه عما سواه وقرئ مخلصا على أن اللّه تعالى أخلصه( وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا )أرسله اللّه تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قدم رسولا مع كونه أخص وأعلى .