تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 46 إلى 47 ] قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 )
شرح
46 وإبراز الاعتناء بأمره( قالَ )استئناف مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل فما ذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة القبول فقيل قال مصرا على عناده( أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ )أي أمعرض ومنصرف أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلا عن ترغيب الغير عنها وقوله( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ )تهديد وتحذير عما كان عليه من العظة والتذكير أي واللّه لئن لم تنته عما كنت عليه من النهى عن عبادتها لأرجمنك بالحجارة وقيل باللسان 47( وَاهْجُرْنِي )أي فاحذرنى واتركنى( مَلِيًّا )أي زمانا طويلا أو مليا بالذهاب مطيقا به( قالَ )استئناف * كما سلف( سَلامٌ عَلَيْكَ )توديع ومتاركة على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة أي لا أصيبك بمكروه بعد * ولا أشافهك بما يؤذيك ولكن( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي )أي أستدعيه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديك إلى الإيمان كما يلوح به تعليل قوله تعالىوَاغْفِرْ لِأَبِيبقوله تعالىإِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَوالاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه وإنما المحظور استدعاء المغفرة له مع بقائه على الكفر فإنه مما لا مساغ له عقلا ولا نقلا وأما الاستغفار له بعد موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل وإنما الذي يمنعه السمع ألا يرى إلى أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لعمه أبى طالب لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه فنزل قوله تعالىما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَالآية والاشتباه في أن هذا الوعد من إبراهيم عليه السلام وكذا قولهلَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَوما ترتب عليهما من قولهوَاغْفِرْ لِأَبِيالآية إنما كان قبل انقطاع رجائه عن إيمانه لعدم تبين أمره لقوله تعالىفَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُكما مر في تفسير سورة التوبة واستثناؤه عما يؤتى به في قوله تعالىإِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَلا يقدح في جوازه لكن لا لأن ذلك كان قبل ورود النهى أو لموعدة وعدها إياه كما قيل لما أن النهى إنما ورد في شأن الاستغفار بعد تبين الأمر وقد كان استغفاره عليه السلام قبل التبين فلم يتناوله النهى أصلا وأن الوعد بالمحظور لا يرفع خطره بل لأن المراد بما يؤتى به ما يجب الايتاء به حتما لورود الوعيد على الإعراض عنه بقوله تعالىلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُفاستثناؤه عن ذلك إنما يفيد عدم وجوب استدعاء الإيمان للكافر المرجو إيمانه لا سيما وقد انقطع ذلك عند ورود الاستثناء وذلك مما لا يتردد فيه أحد من العقلاء وأما عدم جوازه قبل تبين الأمر فلا دلالة للاستثناء عليه قطعا وتوجيه الاستثناء إلى العدة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار بقولهوَاغْفِرْ لِأَبِيالآية لأنها كانت هي الحاملة له عليه السلام عليه وتخصيص تلك العدة بالذكر دون ما وقع هاهنا لورودها على نهج التأكيد القسمي وأما جعل الاستغفار دائرا عليها وترتيب التبرؤ على تبين الأمر فقد مر تحقيقه * في تفسير سورة التوبة وقوله( إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا )أي بليغا في البر والألطاف تعليل لمضمون ما قبله