تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 43 إلى 45 ] وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 ) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 )
شرح
مما يمكن صيانته عن طوارق الحدثان وقد صرفه إلى مصالحها رجاء أن يتمتع بها أكثر مما يتمتع به وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردى ولذلك قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاك ندم * على ما صنع بناء على الزعم الفاسد من إنفاق ما يمكن ادخاره في مثل هذا الشئ السريع الزوال( وَهِيَ )* أي الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل( خاوِيَةٌ )ساقطة( عَلى عُرُوشِها )أي دعائمها المصنوعة للكروم لسقوطها قبل سقوطها وتخصيص حالها بالذكر دون النخل والزرع إما لأنها العمدة وهما من متمماتها وإما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مشيدة بعروشها فهلاك ما عداها بالطريق الأولى وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر وقيل أرسل اللّه تعالى عليها نارا فأحرقتها وغار ماؤها *( وَيَقُولُ )عطف على يقلب أو حال من ضميره أي وهو يقول( يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً )كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه إنما أتى من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه قبل ويحتمل أن يكون 43 ذلك توبة من الشرك وندما على ما فرط منه( وَلَمْ تَكُنْ لَهُ )وقرئ بالياء التحتانية( فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ )يقدرون على نصره بدفع الإهلاك أو على رد المهلك أو الإتيان بمثله وجمع الضمير باعتبار المعنى كما في قوله عزّ وعلا *يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ( مِنْ دُونِ اللَّهِ )فإنه القادر على ذلك وحده( وَما كانَ )في نفسه( مُنْتَصِراً )ممتنعا بقوته 44 عن انتقامه سبحانه( هُنالِكَ )في ذلك المقام وفي تلك الحال( الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ )أي النصرة له وحده لا يقدر عليها أحد فهو تقرير لما قبله أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن * ويعضده قوله تعالى( هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً )أي لأوليائه وقرئ الولاية بكسر الواو ومعناه الملك والسلطان أي هنالك السلطان له عزّ وجل لا يغلب ولا يمتنع منه أو لا يعبد غيره كقوله تعالىفَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَفيكون تنبيها على أن قولهيا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْالخ كان عن اضطرار وجزع عما دهاه على أسلوب قوله تعالىآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَوقيل هنالك إشارة إلى الآخرة كقوله تعالىلِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِوقرئ برفع الحق على أنه صفة للولاية وبنصبه على أنه مصدر مؤكد وقرئ 45 عقبا بضم القاف وعقبى كرجعى والكل بمعنى العاقبة( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا )أي واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يطمئنوا بها ولا يعكفوا عليها ولا يضربوا عن الآخرة صفحا * بالمرة أو بين لهم صفتها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثل( كَماءٍ )استئناف لبيان المثل أي هي كماء( أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ )ويجوز كونه مفعولا ثانيا لا ضرب على أنه بمعنى صير( فَاخْتَلَطَ بِهِ )اشتبك بسببه( نَباتُ )