تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 35 إلى 38 ] وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ( 37 ) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 )
شرح
35( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ )التي شرحت أحوالها وعددها وصفاتها وهيآتها وتوحيدها إما لعدم تعلق الغرض * بتعدادها وإما لاتصال إحداهما بالأخرى وإما لأن الدخول يكون في واحدة فواحدة( وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ )* ضار لها بعجبه وكفره( قالَ )استئناف مبنى على سؤال نشأ من ذكر دخول جنته حال ظلمه لنفسه كأنه * قيل فما ذا قال إذ ذاك فقيل قال( ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ )الجنة أي تفنى( أَبَداً )لطول أمله وتمادى غفلته واغتراره بمهلته ولعله إنما قاله بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنتيه ونهيه عن الاغترار بهما وأمره 36 بتحصيل الباقيات الصالحات( وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً )كائنة فيما سيأتي( وَلَئِنْ رُدِدْتُ )بالبعث عند قيامها * كما تقول( إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ )يومئذ( خَيْراً مِنْها )أي من هذه الجنة وقرئ منهما أي من الجنتين( مُنْقَلَباً )مرجعا وعاقبة ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه 37 الذاتي وكرامته عليه سبحانه ولم يدر أن ذلك استدراج( قالَ لَهُ صاحِبُهُ )استئناف كما سبق( وَهُوَ يُحاوِرُهُ )* جملة حالية كما مر فائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوه كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة( أَ كَفَرْتَ )حيث قلت ما أظن الساعة قائمة( بِالَّذِي خَلَقَكَ )أي في ضمن خلق أصلك( مِنْ تُرابٍ )فإن خلق آدم عليه السلام منه متضمن لخلقه منه لما أن خلق كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرته الشريفة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان خلقه عليه السلام من التراب خلقا للكل منه وقيل خلقك منه لأنه أصل * مادتك إذ به يحصل الغذاء الذي منه تحصل النطفة فتدبر( مِنْ نُطْفَةٍ )هي مادتك القريبة فالمخلوق واحد * والمبدأ متعدد( ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا )أي عدلك وكملك إنسانا ذكرا أو صيرك رجلا والتعبير عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما في حين الصلة لإنكار الكفر والتلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله عزّ من 38 قائليا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍالخ( لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي )أصله لكن إنا وقد قرئ كذلك فحذفت الهمزة فتلاقت النونان فكان الإدغام وهو ضمير الشأن وهو مبتدأ خبرهاللَّهُ رَبِّيوتلك الجملة خبر إنا والعائد منها إليه الضمير وقرئ بإثبات ألف إنا في الوصل والوقف جميعا وفي الوقف خاصة وقرئ لكنه بالهاء ولكن بطرح إنا ولكن إنا لا إله إلا هو ربى ومدار الاستدراك قوله * تعالىأَ كَفَرْتَكأنه قال أنت كافر لكني مؤمن موحد( وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً )فيه إيذان بأن كفره كان