[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 118 ]
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 )
شرح
التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء المتغير وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط والضيقة الشديدة ووصف المهاجرين والأنصار بما ذكر من اتباعهم له عليه الصلاة والسلام في مثل هاتيك المراتب من الشدة للمبالغة في بيان الحاجة إلى التوبة فإن ذلك حيث لم يغنهم عنها فلأن لا يستغنى عنها غيرهم أولى وأحرى( مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ )بيان لتناهى * الشدة وبلوغها إلى ما لا غاية وراءها وهو إشراف بعضهم على أن يميلوا إلى التخلف عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفي كاد ضمير الشأن أو ضمير القوم الراجع إليه الضمير في منهم وقرئ بتأنيث الفعل وقرئ من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم يعنى المتخلفين من المؤمنين كأبى لبابة وأضرابه( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ )تكرير للتأكيد وتنبيه * على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة والمراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )* استئناف تعليلى فإن صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة والعفو ويجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال المنفعة وأن يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا )أي 118 وتاب اللّه على الثلاثة الذين أخر أمرهم عن أمر أبى لبابة وأصحابه حيث لم يقبل معذرتهم مثل أولئك ولا ردت ولم يقطع في شأنهم بشيء إلى أن نزل فيهم الوحي وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وقرئ خلفوا أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم وقرئ على المخلفين والأول هو الأنسب لأن قوله تعالى( حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ )غاية للتخليف ولا يناسبه إلا المعنى * الأول أي خلفوا وأخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض( بِما رَحُبَتْ )أي برحبها وسعتها لإعراض * الناس عنهم وانقطاعهم عن مفاوضتهم وهو مثل لشدة الحيرة كأنه لا يستقر به قرار ولا تطمئن له دار( وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ )أي إذا رجعوا إلى أنفسهم لا يطمئنون بشيء لعدم الأنس والسرور واستيلاء * الوحشة والحيرة( وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ )أي علموا أنه لا ملجأ من سخطه تعالى إلا إلى * استغفاره( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ )أي وفقهم للتوبة( لِيَتُوبُوا )أو أنزل قبول توبتهم ليصيروا من جملة التوابين * ورجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم( إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ )المبالغ في * قبول التوبة كما وكيفا وإن كثرت الجنايات وعظمت( الرَّحِيمُ )المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم * لأفانين العقاب . روى أن ناسا من المؤمنين تخلفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به صلّى اللّه عليه وسلم . عن الحسن رضى اللّه عنه أنه قال بلغني أنه كان لأحدهم حائط كان خيرا من مائة ألف درهم فقال يا حائطاه ما خالفني إلا ظلك وانتظار ثمارك اذهب فأنت في سبيل اللّه ولم يكن لآخر إلا أهله فقال يا أهلاه ما بطأنى ولا خلفني إلا الفتن بك فلا جرم واللّه لأكابدن الشدائد حتى ألحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فتأبط زاده ولحق به صلّى اللّه عليه وسلم قال الحسن رضى اللّه عنه كذلك واللّه المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها