تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 115 إلى 117 ] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 )
شرح
مِنْهُ )أي تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل التجانب وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائره( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ )لكثير التأوه وهو كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب( حَلِيمٌ )صبور على الأذية والمحنة وهو استئناف لبيان ما كان يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى ما صدر عنه من الاستغفار وفيه إيذان بأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان أواها حليما فلذلك صدر عنه ما صدر من الاستغفار قبل التبين فليس لغيره أن يأتسى به في ذلك وتأكيد لوجوب الاجتناب عنه بعد التبين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتنابا وتبرءوا وأما أن الاستغفار قبل التبين لو كان غير محظور لما استثنى من الائتساء به في قوله تعالىإِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَفقد 115 حقق في سورة مريم بإذن اللّه تعالى( وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً )أي ليس من عادته أن يصفهم بالضلال * عن طريق الحق ويجرى عليهم أحكامه( بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ )للإسلام( حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ )بالوحي صريحا أو * دلالة( ما يَتَّقُونَ )أي ما يجب اتقاؤه من محظورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه وأما قبل ذلك فلا يسمى ما صدر عنهم ضلالا ولا يؤاخذون به فكأنه تسلية الذين استغفروا للمشركين قبل ذلك * وفيه دليل على أن الغافل غير مكلف بما لا يستبد بمعرفته العقل( إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )تعليل لما سبق أي إنه تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل في معرفته فيبين 116 لهم ذلك كما فعل هاهنا( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )من غير شريك له فيه( يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ )لما منعهم من الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولى قربى وضمن ذلك التبرؤ منهم رأسا بين لهم أن اللّه تعالى مالك كل موجود ومتولى أموره والغالب عليه ولا يتأتى لهم نصر ولا 117 ولاية إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه بشرا شرهم متبرءين عما سواه غير قاصدين إلا إياه( لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ )قال ابن عباس رضى اللّه عنهما هو العفو عن إذنه للمنافقين في التخلف عنه( وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ )قيل هو في حق زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين وقيل المراد بيان فضل التوبة وأنه ما من مؤمن * إلا وهو محتاج إليها حتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما صدر عنه في بعض الأحوال من ترك الأولى( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ )ولم * يتخلفوا عنه ولم يخلوا بأمر من أوامره( فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ )أي في وقتها والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وهي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة من الظهر يعتقب عشرة على بعير واحد ومن الزاد تزودوا