[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 28 إلى 29 ]
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 )
شرح
قبلي فلم تقتلني خلا أنه لم يصرح بذلك بل سلك مسلك التعريض حذرا من تهييج غضبه وحملا له على التقوى والإفلاع عما نواه ولذلك أسند الفعل إلى الاسم الجليل لتربية المهابة ثم صرح بتقواه على وجه يستدعى سكون غيظه لو كان له عقل وازع حيث قال بطريق التوكيد( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ )حيث صدر الشرطية باللام الموطئة للقسم وقدم الجار والمجرور على المفعول الصريح إيذانا من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه ولم يجعل جواب القسم الساد مسد جواب الشرط جملة فعلية موافقة لما في الشرط بل اسمية مصدرة بما الحجازية المفيدة لتأكيد النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءته عن بسط اليد ببيان استمراره على نفى البسط كما في قوله تعالىوَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَوقولهوَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْهافإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت كذلك السلبية تدل بمعونته على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام وذلك باعتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبار النفي لا قبله حتى يرد النفي على المقيد بالدوام فيرفع قيده أي واللّه لئن باشرت قتلى حسبما أوعدتنى به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعل مثله لك في وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله( إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ )وفيه من إرشاد قابيل إلى خشية اللّه تعالى على أبلغ وجه وآكده ما لا * يخفى كأنه قال إني أخافه تعالى إن بسطت يدي إليك لأقتلك أن يعاقبني وإن كان ذلك منى لدفع عداوتك عنى فما ظنك بحالك وأنت البادى العادي وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيد للخوف قيل كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم خوفا من اللّه تعالى لأن القتل الدفع لم يكن مباحا حينئذ وقيل تحريا لما هو الأفضل حسبما قال عليه السلام كن عبد اللّه المقتول ولا تكن عبد اللّه القاتل ويأباه التعليل بخوفه تعالى إلا أن يدعى أن ترك الأولى عنده بمنزلة المعصية في استتباع الغائلة مبالغة في التنزه وقوله تعالى( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ )تعليل آخر لامتناعه عن المعارضة على أنه غرض متأخر عنه كما أن الأول باعث متقدم عليه وإنما لم يعطف عليه تنبيها على كفاية كل منهما في العلية والمعنى إني أريد باستسلامى لك وامتناعى عن التعرض لك أن ترجع بإثمي أي بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك وبإثمك ببسط يدك إلى كما في قوله عليه السلام المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم أي على البادئ عين إثم سبه ومثل سب صاحبه بحكم كونه سببا له وقيل معنى بإثمي إثم قتلى ومعنى بإثمك الذي لأجله لم يتقبل قربانك وكلاهما نصب على الحالية أي ترجع ملتبسا بالإثمين حاملا لهما ولعل مراده بالذات إنما هو عدم ملابسته للإثم لا ملابسة أخيه له وقيل المراد بالإثم عقوبته ولا ريب في جواز إرادة عقوبة العاصي ممن علم أنه لا يرعوى عن المعصية أصلا ويأباه قوله تعالى( فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ )فإن كونه * منهم إنما يترتب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلائه بعقوبتهما وحمل العقوبة على نوع آخر يترتب عليها