تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 159 ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 159 )
شرح
المتفاوتة كما وكيفا وإنما لم يقتصر على بيان ما يوجب أصل النفع وهو الإيمان السابق مع أنه هو المقابل لما لا يوجبه أصلا أعنى الإيمان الحادث بل قرن به ما يوجب النفع الزائد أيضا إرشادا إلى تحرى الأعلى وتنبيها على كفاية الأدنى وإقناطا للكفرة عما علقوا به أطماعهم الفارغة من أعمال البر التي عملوها في الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العناة وإغاثة الملهوفين وقرى الأضياف وغير ذلك مما هو من باب المكارم ببيان أن كل ذلك لغو بحت لابتنائه على غير أساس حسبما نطق به قوله تعالىمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُالآية ونحو ذلك من النصوص الكريمة وأن الإيمان الحادث كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالهم السابقة واللاحقة ولك أن تقول المقصود بوصف النفس بما ذكر من العدمين التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحد من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطا بالآخر كما في قوله عزّ وجلفَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّىتسجيلا بكمال طغيانهم وإيذانا بتضاعف عقابهم لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع في حق المؤاخذة كما ينبئ عنه قوله تعالىوَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَإذا تحققت هذا وفقت على أن الآية الكريمة أحق بأن تكون حجة على المعتزلة من أن تكون حجة لهم هذا وقد قيل إنها من باب اللف التقديري أي لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه وليس بواضح فإن مبنى اللف التقديري أن يكون المقدر من متممات الكلام ومقتضيات المقام قد ترك ذكره تعويلا على دلالة الملفوظ عليه واقتضائه إياه كما مر في تفسير قوله عزّ وجلوَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاًفإنه قد طوى في المفصل ذكر حشر المؤمنين ثقة بأنباء التفصيل عنه أعنى قوله تعالىفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا *الآية ولا ريب في أن ما قدر هاهنا ليس مما يستدعيه قوله تعالىأَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراًولا هو من مقتضيات المقام لأنه ليس مما وعدوه وعلقوه بإتيان ما ذكر من الآيات كالإيمان حتى يرد عليهم ببيان عدم نفعه إذ ذاك على أن ذلك مشعر بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ما أصابهم بقاء على السلامة وزمانا يتأتى منهم الكسب والعمل فيه وفيه من الاخلال بمقام تهويل الخطب وتفظيع الحال ما لا يخفى وقد أجيب عن الاستدلال بوجوه أخر قصارى أمرها إسقاط الآية الكريمة عن رتبة المعارضة للنصوص القطعية المنون القوية الدلالة على ما ذكر من كفاية الإيمان المجرد عن العمل في الانجاء من العذاب الخالد ولو بعد اللتيا وإلى لما تقرر من أن الظني بمعزل من معارضة القطعي( قُلِ )لهم بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد *( انْتَظِرُوا )ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شئ تنتظرون( إِنَّا مُنْتَظِرُونَ )لذلك * لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة وفيه تأييد لكون المراد بما ينتظرونه إتيان ملائكة العذاب أو إتيان امره تعالى بالعذاب كما أشير إليه وعدة ضمنية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم لما يحيق بالكفرة من العقاب ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر واللّه سبحانه أعلم( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ )استئناف