[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )
شرح
فوجدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم جالسا مع أناس من ضعفاء المؤمنين فلما رأوهم حوله صلّى اللّه عليه وسلم حقروهم فأتوه عليه الصلاة والسلام فقالوا يا رسول اللّه لو جلست في صدر المسجد ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم فجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك فقال صلّى اللّه عليه وسلم ما أنا بطارد المؤمنين قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا معك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحيى أن ترانا مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال صلّى اللّه عليه وسلم نعم قالوا فاكتب لنا كتابا فدعا بالصحيفة وبعلى رضى اللّه تعالى عنه ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل عليه السلام بالآية فرمى عليه السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه وجلسنا عنده وكنا ندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات والمراد بذكر الوقتين الدوام وقيل صلاة الفجر والعصر وقرئ بالغدوة وقوله تعالى( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ )حال من ضميريَدْعُونَأي يدعونه تعالى * مخلصين له فيه وتقييده به لتأكيد عليته للنهي فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد وقوله تعالى( ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )اعتراض وسط بين النهى وجوابه تقريرا له ودفعا لما * عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم كدأب قوم نوح حيث قالوا ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي أي ما عليك شئ ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة حتى تتصدى له وتبنى على ذلك ما تراه من الأحكام وإنما وظيفتك حسبما هو شأن منصب النبوة اعتبار ظواهر الأعمال وإجراء الأحكام على موجبها وأما بواطن الأمور فحسابها على العليم بذات الصدور كقوله تعالىإِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّيوذكر قوله تعالى( وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ )مع أن الجواب * قدتم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلّى اللّه عليه وسلم بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا وهو انتفاء كون حسابه صلّى اللّه عليه وسلم عليهم على طريقة قوله تعالىلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ *وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة جملة واحدة لتأدية معنى واحد على نهج قوله تعالىوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *فغير حقيق بجلالة شأن التنزيل وتقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به صلّى اللّه عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصديه صلّى اللّه عليه وسلم لحسابهم وقيل الضمير للمشركين والمعنى إنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين وقوله تعالى( فَتَطْرُدَهُمْ )جواب * النفي وقوله تعالى( فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ )جواب النهى وقد جوز عطفه على فتطردهم على طريقة التسبيب * وليس بذاك( وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ )استئناف مبين لما نشأ عنه ما سبق من النهى وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارة عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان