تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 49 إلى 50 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 )
شرح
لما تقرر في موضعه من أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام ألا يرى أن الجملة الاسمية تدل بمعونة المقام على استمرار الثبوت فإذا دخل عليها حرف النفي دلت على استمرار الانتفاء لا على انتفاء الاستمرار كذلك المضارع الخالي عن حرف النفي يفيد استمرار الثبوت فإذا دخل عليه حرف النفي يفيد استمرار الانتفاء لا انتفاء الاستمرار ولا بعد في ذلك فإن قولك ما زيدا ضربت مفيد لاختصاص النفي لا نفى الاختصاص كما بين في محله وقوله عزّ وجل( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا )عطف على من آمن داخل في حكمه وقوله تعالى( بِآياتِنا )إشارة إلى أن ما ينطق به الرسل عليهم السلام عند التبشير والإنذار ويبلغونه إلى الأمم آياته تعالى وأن من آمن به فقد آمن بآياته تعالى ومن كذب به فقد كذب بها وفيه من الترغيب في الإيمان به والتحذير عن تكذيبه ما لا يخفى والمعنى ما نرسل المرسلين إلا ليخبروا أممهم من جهتنا بما سيقع منا من الأمور السارة والضارة لا ليوقعوها استقلالا من تلقاء أنفسهم أو استدعاء من قبلنا حتى يقترحوا عليهم ما يقترحون فإذا كان الأمر كذلك فمن آمن بما أخبروا به من قبلنا تبشيرا أو إنذارا في ضمن آياتنا وأصلح ما يجب إصلاحه من أعماله أو دخل في * الصلاح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا التي بلغوها عند التبشير والإنذار( يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ )أي العذاب الذي أنذروه عاجلا أو آجلا أو حقيقة العذاب وجنسه المنتظم له انتظاما أوليا *( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ )أي بسبب فسقهم المستمر الذي هو الإصرار على الخروج عن التصديق والطاعة( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ )استئناف مبنى على ما أسس من السنة الإلهية في شأن إرسال الرسل وإنزال الكتب مسوق لإظهار تبرئه صلّى اللّه عليه وسلم عما يدور عليه مقترحاتهم أي قل للكفرة الذين يقترحون عليك تارة تنزيل الآيات وأخرى غير ذلك لا أدعى أن خزائن مقدوراته تعالى مفوضة إلى أتصرف فيها كيفما أشاء استقلالا أو استدعاء حتى تقترحوا على تنزيل الآيات أو إنزال العذاب أو قلب الجبال ذهبا * أو غير ذلك مما لا يليق بشأنى وجعل هذا تبرءوا عن دعوى الإلهية مما لا وجه له قطعا وقوله تعالى( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ )عطف على محل عندي خزائن اللّه أي ولا أدعى أيضا أنى أعلم الغيب من أفعاله تعالى حتى * تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب أو نحوهما( وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ )حتى تكلفونى من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيق به البشر من الرقى في السماء ونحوه أو تعدوا عدم اتصافى بصفاتهم قادحا في أمرى كما ينبئ عنه قولهم مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق والمعنى أنى لا أدعى شيئا من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا على ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا بل إنما هي