تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 52 ] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 )
شرح
والضمير المجرور لما يوحى أو لما دل هو عليه من القرآن والمفعول الثاني للإنذار إما العذاب الأخروى المدلول عليه بما في حيز الصلة وإما مطلق العذاب الذي ورد به الوعيد والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة * عن المالكية المطلقة والتصرف الكلى لتربية المهابة وتحقيق المخافة وقوله تعالى( لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ )في حيز النصب على الحالية من ضمير يحشروا ومن متعلقة بمحذوف وقع حالا من اسم ليس لأنه في الأصل صفة له فلما قدم عليه انتصب حالا خلا أن الحال الأولى لإخراج الحشر الذي لم يقيد بها عن حيز الخوف وتحقيق أن ما نيط به الخوف هو الحشر على تلك الحالة لا الحشر كيفما كان ضرورة أن المعترفين به الجازمين بنصرة غيره تعالى بمنزلة المنكرين له في عدم الخوف الذي عليه يدور أمر الإنذار وأما الحال الثانية فليست لإخراج الولي الذي لم يقيد بها عن حيز الانتفاء لفساد المعنى لاستلزام ثبوت ولايته تعالى لهم كما في قوله تعالىوَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ *بل لتحقيق مدار خوفهم وهو فقدان ما علقوا به رجاءهم وذلك إنما هو ولاية غيره سبحانه وتعالى في قوله تعالىوَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُوالمعنى أنذر به الذين يخافون أن يحشروا غير منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم ومن هذا اتضح أن لا سبيل إلى كون المراد بالخائفين المفرطين من المؤمنين إذ ليس لهم ولى سواه تعالى ليخافوا الحشر بدون نصرته وإنما الذي يخافونه الحشر بدون * نصرته عزّ وجل وقوله تعالى( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )تعليل للأمر أي أنذرهم لكي يتقوا الكفر والمعاصي أو حال من ضمير الأمر أي أنذرهم راجيا تقواهم أو من الموصول أي أنذرهم مرجوا منهم التقوى( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ )لما أمر صلّى اللّه عليه وسلم بإنذار المذكورين لينتظموا في سلك المتقين نهى صلّى اللّه عليه وسلم عن كون ذلك بحيث يؤدى إلى طردهم روى أن رؤساء من المشركين قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم رضى اللّه تعالى عنهم جلسنا إليك وحادثناك فقال صلّى اللّه عليه وسلم ما أنا بطارد المؤمنين فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال صلّى اللّه عليه وسلم نعم طمعا في إيمانهم . وروى أن عمر رضى اللّه تعالى عنه قال له عليه الصلاة والسلام لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون وقيل إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرصة بن عبيد وعمرو بن نوفل وأشراف بنى عبد مناف من أهل الكفر أتوا أبا طالب فقالوا يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد موالينا وحلفاءنا وهم عبيدنا وعتقاؤنا كان أعظم في صدورنا وأدنى لاتباعنا إياه فأتى أبو طالب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه فقال عمر رضى اللّه عنه لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون وقال سلمان وخباب فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وعباس بن مرداس وذووهم من المؤلفة قلوبهم