تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 83 ] وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 83 )
شرح
باطل لأن الغيب لا يعلمه إلا اللّه تعالى وقال أبو بكر الأصم إن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر وكان اللّه تعالى يطلع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على ذلك ويخبره بها مفصلة فقيل لهم إن ذلك لو لم يحصل بإخبار اللّه تعالى لما اطرد الصدق فيه ولوقع فيه الاختلاف فلما لم يقع ذلك قط علم أنه بإعلامه تعالى هذا هو الذي يستدعيه جزالة النظم الكريم وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم في البلاغة بأن كان بعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني وبعضه على معنى فاسد غير ملتئم وبعضه بالغا حد الإعجاز وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته كما جنح إليه الجمهور فمما لا يساعده السباق ولا السياق ومن رام التقريب وقال لعل ذكره هاهنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف في الحكم والمصالح المقتضية لذلك فقد أبعد عن الحق بمراحل( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ )يقال أذاع السر وأذاع به أي أشاعه وأفشاه وقيل معنى أذاعوا به فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه وهو كلام مسوق لدفع ما عسى يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناء على عدم فهم المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله عنه وذلك أن ناسا من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بما أوحى إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل وعلى تقدير الفهم قد يكون ذلك مشروطا بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم الاختلاف فنعى عليهم ذلك وقيل( وَلَوْ رَدُّوهُ )أي ذلك الأمر الذي جاءهم( إِلَى الرَّسُولِ )أي عرضوه على رأيه صلّى اللّه عليه وسلم مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير والالتفات لما أن عنوان الرسالة من موجبات الرد والمراجعة إلى رأيه صلّى اللّه عليه وسلم( وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ )وهم كبراء الصحابة البصراء في الأمور رضى اللّه تعالى عنهم( لَعَلِمَهُ )أي لعلم الرادون معناه وتدبيره وإنما وضع موضع ضميرهم الموصول فقيل( الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )للإيذان بأنه ينبغي أن يكون قصدهم برده إليهم استكشاف معناه واستيضاح فحواه أي لعلمه أولئك الرادون الذين يستنبطونه أي يتلقونه ويستخرجون علمه وتدبيره منهم أي من جهة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأولي الأمر من صحابته رضوان اللّه عليهم أجمعين ولما فعلوا في حقه ما فعلوا فلم يقع فيه ما وقع من الاشتباه وتوهم الاختلاف وقيل لعلمه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها فكلمة من في منهم بيانية وقيل إنهم كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإلى أولي الأمر لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها وقيل