تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 80 ] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 )
شرح
على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثم سوق البيان من جهته عزّ وجل بطريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى كل واحد من الناس والالتفات لمزيد الاعتناء به والاهتمام برد مقالتهم الباطلة والإيذان بأن مضمونه مبنى على حكمة دقيقة حقيقة بأن يتولى بيانها علام الغيوب وتوجيه الخطاب إلى كل واحد منهم دون كلهم كما في قوله تعالىوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْللمبالغة في التحقيق بقطع احتمال سببية معصية بعضهم لعقوبة الآخرين أي ما أصابك من نعمة من النعم( فَمِنَ اللَّهِ )أي فهي منه تعالى بالذات تفضلا وإحسانا من غير استيجاب لها من قبلك كيف لا وأن كل ما يفعله المرء من الطاعات التي يفرض كونها ذريعة إلى إصابة نعمة ما فهي بحيث لا تكاد تكافئ نعمة حياته المقارنة لأدائها ولا نعمة إقداره تعالى إياه على أدائها فضلا عن استيجابها لنعمة أخرى ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللّه تعالى قيل ولا أنت يا رسول اللّه قال ولا أنا( وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ )أي بلية من البلايا( فَمِنْ نَفْسِكَ )أي فهي منها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى نازلة من عنده عقوبة كقوله تعالىوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍوعن عائشة رضى اللّه عنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو اللّه عنه أكثر وقيل الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كما قبله وما بعده لكن لا لبيان حاله صلّى اللّه عليه وسلم بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب لا سيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة( وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا )بيان لجلالة منصبه صلّى اللّه عليه وسلم ومكانته عند اللّه عزّ وجل بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه صلّى اللّه عليه وسلم بناء على جهلهم بشأنه الجليل وتعريف الناس للاستغراق والجار إما متعلق برسولا قدم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم أي مرسلا لكل الناس لا لبعضهم فقط كما في قوله تعالىوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِوإما بالفعل فرسولا حال مؤكدة وقد جوز أن يكون مصدرا مؤكدا كما في قوله[ لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول ]أي بإرسال بمعنى رسالة( وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً )أي على رسالتك بنصب المعجزات التي من جملتها هذا النص الناطق والوحي الصادق والالتفات لتربية المهابة وتقوية الشهادة والجملة اعتراض تذييلى( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ )بيان لأحكام رسالته صلّى اللّه عليه وسلم إثر بيان تحققها وثبوتها وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهى في الحقيقة هو اللّه تعالى وإنما هو صلّى اللّه عليه وسلم مبلغ لأمره ونهيه فمرجع الطاعة وعدمها هو للّه سبحانه . روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال من أحبني فقد أحب اللّه ومن أطاعني فقد أطاع اللّه فقال المنافقون ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير اللّه ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت . والتعبير عنه صلّى اللّه عليه وسلم بالرسول دون الخطاب للإيذان بأن مناط كون طاعته صلّى اللّه عليه وسلم طاعة له تعالى ليس خصوصية ذاته صلّى اللّه عليه وسلم بل من حيثية رسالته وإظهار الجلالة لتربية المهابة وتأكيد وجوب الطاعة بذكر عنوان الألوهية وحمل الرسول على الجنس المنتظم له صلّى اللّه عليه وسلم انتظاما أوليا يأباه تخصيص الخطاب