تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ذلك قومه إلى اتباعهم والإيمان بهم ، واحتج عليهم بقوله :
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ
: أي وهم على هدى من اللّه . أمرهم باتباع المرسلين ، أي هم رسل اللّه إليكم فاتبعوهم ، ثم أمرهم ثانيا بجملة جامعة في الترغيب ، في كونهم لا ينقص منهم من حطام دنياهم شيء ، وفي كونهم يهتدون بهداهم ، فيشتملون على خيري الدنيا والآخرة . وقد أجاز بعض النحويين في
مَنْ
أن تكون بدلا من
الْمُرْسَلِينَ
، ظهر فيه العامل كما ظهر إذا كان حرف جر ، كقوله تعالى :
لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ
« 1 » . والجمهور : لا يعربون ما صرح فيه بالعامل الرافع والناصب ، بدلا ، بل يجعلون ذلك مخصوصا بحرف الجر . وإذا كان الرافع والناصب ، سمعوا ذلك بالتتبيع لا بالبدل . وفي قوله :
اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً
، دليل على نقص من يأخذ أجرا على شيء من أفعال الشرع التي هي لازمة له ، كالصلاة . ولما أمرهم باتباع المرسلين ، أخذ يبدي الدليل في اتباعهم وعبادة اللّه ، فأبرزه في صورة نصحه لنفسه ، وهو يريد نصحهم ليتلطف بهم ويراد بهم ؛ ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه ، فوضع قوله :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي
، موضع : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ؟ ولذلك قال :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
، ولولا أنه قصد ذلك لقال : وإليه أرجع . ثم أتبع الكلام كذلك مخاطبا لنفسه فقال :
أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
قاصرة عن كل شيء ، لا تنفع ولا تضر ؟ فإن أرادكم اللّه بضر ، وشفعت لكم ، لم تنفع شفاعتهم ، ولم يقدروا على إنقاذكم فيه ، أولا بانتفاء الجاه عن كون شفاعتهم لا تنفع ، ثم ثانيا بانتفاء القدر . فعبر بانتفاء الإنقاذ عنه ، إذ هو نتيجته . وفتح ياء المتكلم في يردني مع طلحة السمان ، كذا في كتاب ابن عطية ، وفي كتاب ابن خالويه طلحة بن مطرف ، وعيسى الهمداني ، وأبو جعفر ، ورويت عن نافع وعاصم وأبي عمرو . وقال الزمخشري : وقرئ إن يردني الرحمن بضر بمعنى : إن يجعلني موردا للضر . انتهى . وهذا واللّه أعلم رأي في كتب القراءات ، يردني بفتح الياء ، فتوهم أنها ياء المضارعة ، فجعل الفعل متعديا بالياء المعدية كالهمزة ، فلذلك أدخل عليه همزة التعدية ، ونصب به اثنين . والذي في كتب القراء الشواذ أنها ياء الإضافة المحذوفة خطأ ونطقا لالتقاء الساكنين . قال في كتاب ابن خالويه : بفتح ياء الإضافة . وقال في اللوامح : إن يردني الرحمن بالفتح ، وهو أصل الياء عند البصرية ، لكن هذه محذوفة ، يعني البصرية ، أي المثبتة بالخط البربري بالبصر ،
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 33 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 56 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل