تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
تطيرتم . والقراءة الثانية الأخيرة أين فيها ظرف أداة الشرط ، حذف جزاؤه للدلالة عليه وتقديره : أين ذكرتم صحبكم طائركم ، ويدل عليه قوله :
طائِرُكُمْ مَعَكُمْ
. ومن جوز تقديم الجزاء على الشرط ، وهم الكوفيون وأبو زيد والمبرد ، يجوز أن يكون الجواب
طائِرُكُمْ مَعَكُمْ
، وكان أصله : أين ذكرتم فطائركم معكم ، فلما قدم حذفت الفاء . وقرأ الجمهور : ذكرتم ، بتشديد الكاف ؛ وأبو جعفر ، وخالد بن الياس ، وطلحة ، والحسن ، وقتادة ، وأبو حيوة ، والأعمش من طريق زائدة ، والأصمعي عن نافع : بتخفيفها .
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
: مجاوزون الحد في ضلالكم ، فمن ثم أتاكم الشؤم .
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى
اسمه حبيب ، قاله ابن عباس وأبو مجلز وكعب الأحبار ومجاهد ومقاتل . قيل : وهو ابن إسرائيل ، وكان قصارا ، وقيل : إسكافا ، وقيل : كان ينحت الأصنام ، ويمكن أن يكون جامعا لهذه الصنائع . و
مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
: أي من أبعد مواضعها . فقيل : كان في خارج المدينة يعاني زرعا له . وقيل : كان في غار يعبد ربه . وقيل : كان مجذوما ، فميز له أقصى باب من أبوابها ، عبد الأصنام سبعين سنة يدعوهم لكشف ضره . فلما دعاه الرسل إلى عبادة اللّه قال : هل من آية ؟ قالوا : نعم ، ندعو ربنا القادر يفرج عنك ما بك ، فقال : إن هذا لعجيب ! لي سبعون سنة أدعو هذه الآلهة فلم تستطع ، يفرجه ربكم في غداة واحدة ؟ قالوا : نعم ، ربنا على ما يشاء قدير ، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر ، فآمن . ودعوا ربهم ، فكشف اللّه ما به ، كأن لم يكن به بأس . فأقبل على التكسب ، فإذا مشى ، تصدق بكسبه ، نصف لعياله ، ونصف يطعمه . فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم فقال :
يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
. وحبيب هذا ممن آمن برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وبينهما ستمائة سنة ، كما آمن به تبع الأكبر ، وورقة بن نوفل وغيرهما ، ولم يؤمن بنبي غيره أحد إلا بعد ظهوره . و قال ابن أبي ليلى : سباق الأمم ثلاثة ، لم يكفروا قط طرفة عين : علي بن أبي طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون . وأورد الزمخشري قول ابن أبي ليلى حديثا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وتقدم قبل من حاله أنه كان مجذوما ، عبد الأصنام سبعين سنة ، فاللّه أعلم . وهنا تقدم :
مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
، وفي القصص تأخر ، وهو من التفنن في البلاغة .
رَجُلٌ يَسْعى
: يمشي على قدميه .
قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
. الظاهر أنه لا يقول ذلك إلا بعد تقدم إيمانه ، كما سبق في قصة . وقيل : جاء عيسى وسمع قولهم وفهمه فيما فهمه . روي أنه تعقب أمرهم وسبره بأن قال لهم : أتطلبون أجرا على دعوتكم هذه ؟ قالوا : لا ، فدعا عند
البحر المحيط في التفسير — صفحة 55 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل