تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
ألسنا نخوض الموت في حومة الوغا * إذا طاب ورد الموت بين العساكر
فنضرب هاما بالذراعين ننتمي * إلى حسب من جذع غسان زاهر
فلو لا حياء اللّه قلنا تكرما * على الناس بالحقين هل من منافر
فأحياؤنا من خير من وطئ الحصا * وأمواتنا من خير أهل المقابر
قال : فقام الأقرع بن حابس فقال : إني واللّه لقد جئت لأمر ، وقد قلت شعرا فاسمعه ، وقال :
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا * إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وإنا رؤوس الناس في كل غارة * تكون بنجد أو بأرض التهائم
وأن لنا المرباع في كل معشر * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لحسان : « قم فأجبه » ، فقام وقال :
بني دارم لا تفخروا إن فخركم * يصير وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لقد كنت غنيا يا أخا دارم أن يذكر منك ما ظننت أن الناس قد لتنوه » . فكان قوله عليه الصلاة والسلام أشد عليهم من جميع ما قاله حسان ، ثم رجع حسان إلى شعره فقال :
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا للّه ندا وأسلموا * ولا تفخروا عند النبي بدارم
وإلا ورب البيت قد مالت القنا * على هامكم بالمرهفات الصوارم
فقال الأقرع بن حابس : واللّه ما أدري ما هذا الأمر ، تكلم خطيبنا ، فكان خطيبهم أحسن قولا ، وتكلم شاعرنا ، فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ، ثم دنا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما يضرك ما كان قبل هذا » ، ثم أعطاهم وكساهم . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة ، وذلك أن المناداة من وراء الحجرات فيها رفع الصوت وإساءة الأدب ، واللّه قد أمر بتوقير رسوله وتعظيمه . والوراء : الجهة التي يواريها عنك الشخص من خلف أو قدام ، ومن لابتداء الغاية ، وإن المناداة نشأت من ذلك المكان . وقال الزمخشري : فإن قلت : أفرق بين الكلامين ، بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه .