تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
وابتدأ أول السورة بتقديم الأمور التي تنتمي إلى اللّه تعالى ورسوله على الأمور كلها ، ثم على ما نهى عنه من التقديم بالنهي عن رفع الصوت والجهر ، فكان الأول بساطا للثاني ، ثم يلي بما هو ثناء على الذين امتنعوا من ذلك ، فغضوا أصواتهم دلالة على عظم موقعه عند اللّه تعالى . ثم جيء على عقبه بما هو أفظع ، وهو الصياح برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرمه من وراء الجدار ، كما يصاح بأهون الناس ، ليلبيه على فظاعة ما جسروا عليه ، لأن من رفع اللّه قدره عن أن يجهر له بالقول ، كان صنيع هؤلاء معه من المنكر المتفاحش . ومن هذا وأمثاله تقتبس محاسن الآداب . كما يحكى عن أبي عبيد ومحله من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى أنه قال : ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه .
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ
، قال الزمخشري :
أَنَّهُمْ صَبَرُوا
في موضع الرفع على الفاعلية ، لأن المعنى : ولو ثبت صبرهم . انتهى ، وهذا ليس مذهب سيبويه ، أن أن وما بعدها بعد لو في موضع مبتدأ ، لا في موضع فاعل . ومذهب المبرد أنها في موضع فاعل بفعل محذوف ، كما زعم الزمخشري . واسم كان ضمير يعود على المصدر المفهوم من صبروا ، أي لكان هو ، أي صبرهم خيرا لهم . وقال الزمخشري : في كان ، إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد لو . انتهى ، لأنه قدر أن وما بعدها فاعل بفعل مضمر ، فأعاد الضمير على ذلك الفاعل ، وهو الصبر المنسبك من أن ومعمولها خيرا لهم في الثواب عند اللّه ، وفي انبساط نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقضائه لحوائجهم . وقد قيل : إنهم جاءوا في أسارى ، فأعتق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النصف وفادى على النصف ، ولو صبروا لأعتق الجميع بغير فداء . وقيل : لكان صبرهم أحسن لأدبهم .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، لن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
الآية ، حدث الحارث بن ضرار قال : قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعاني إلى الإسلام ، فأسلمت ، وإلى الزكاة فأقررت بها ، فقلت : أرجع إلى قومي وأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة ، فمن أجابني جمعت زكاته ، فترسل من يأتيك بما جمعت . فلما جمع ممن استجاب له ، وبلغ الوقت الذي أراد الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يبعث إليه ، واحتبس عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال لسروات قومه : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقت لي وقتا إلى من يقبض الزكاة ، وليس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخلف ، ولا أرى حبس الرسول إلا من سخطه . فانطلقوا بها إليه ، وكان عليه السلام البعث بعث الوليد بن الحارث ، ففرق ، فرجع فقال : منعني الحارث الزكاة وأراد قتلي ، فضرب