تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفعل قوم في بعض غزواته شيئا بآرائهم ، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك . فقال ابن عباس : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه . وتقول العرب : تقدمت في كذا وكذا ، وقدمت إذ قلت فيه . وقرأ الجمهور : لا تقدموا ، فاحتمل أن يكون متعديا ، وحذف مفعوله ليتناول كل ما يقع في النفس مما تقدم ، فلم يقصد لشيء معين ، بل النهي متعلق بنفس الفعل دون تعرض لمفعول معين ، كقولهم : فلان يعطي ويمنع . واحتمل أن يكون لازما بمعنى تقدم ، كما تقول : وجه بمعنى توجه ، ويكون المحذوف مما يوصل إليه بحرف ، أي لا تتقدّموا في شيء ما من الأشياء ، أو بما يحبون . ويعضد هذا الوجه قراءة ابن عباس وأبي حيوة والضحاك ويعقوب وابن مقسم . لا تقدموا ، بفتح التاء والقاف والدال على اللزوم ، وحذفت التاء تخفيفا ، إذ أصله لا تتقدموا . وقرأ بعض المكيين : تقدموا بشد التاء ، أدغم تاء المضارعة في التاء بعدها ، كقراءة البزي . وقرئ : لا تقدموا ، مضارع قدم ، بكسر الدال ، من القدوم ، أي لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها ، ولا تعجلوا عليها ، والمكان المسامت وجه الرجل قريبا منه . قيل : فيه بين يدي المجلوس إليه توسعا ، لما جاور الجهتين من اليمين واليسار ، وهي في قوله :
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
، مجاز من مجاز التمثيل . وفائدة تصوير الهجنة والشناعة فيها ؛ نهوا عنه من الإقدام على أمر دون الاهتداء على أمثلة الكتاب والسنة ؛ والمعنى : لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما يحكمان به ويأذنان فيه ، فتكونوا عاملين بالوحي المنزل ، أو مقتدين برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا ، وعلى هذا مدار تفسير ابن عباس . وقال مجاهد : لا تفتاتوا على اللّه شيئا حتى يقصه اللّه على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذا النهي توطئة لما يأتي بعد من نهيهم عن رفع أصواتهم . ولما نهى أمر بالتقوى ، لأن من التقوى اجتناب المنهي عنه .
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لأقوالكم ،
عَلِيمٌ
بنياتكم وأفعالكم . ثم ناداهم ثانيا ، تحريكا لما يلقيه إليهم ، واستبعادا لما يتجدد من الأحكام ، وتطرية للإنصات . ونزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت .
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ
: أي إذا نطق ونطقتم ،
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ
إذا كلمتموه ، لأن رتبة النبوة والرسالة يجب أن توقر وتجل ، ولا يكون الكلام مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم كالكلام مع غيره . ولما نزلت ، قال أبو بكر رضي اللّه عنه : لا أكلمك يا رسول اللّه إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى اللّه . وعن عمر رضي اللّه عنه ، أنه كان يكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم كأخي السرار ، لا يسمعه حتى يستفهمه . وكان أبو بكر ، إذا قدم على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، قوم ، أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ، ويأمرهم
البحر المحيط في التفسير — صفحة 507 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل