تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
الضحاك ، والفراء : استعارة لمنعهم من النفقة في سبيل اللّه ، كما قال :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
« 1 » وقال عكرمة : نزلت حين أراد أبو جهل ضربه بالحجر العظيم ، وفي غير ذلك من المواطن ، فمنعه اللّه ؛ وهذا قريب من قول ابن عباس ، فروى أن أبا جهل حمل حجرا ليدفع به النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو يصلي ، فانثنت يداه إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه والحجر في يده قد لزق ، فما فكوه إلا بجهد ، فأخذ آخر ، فلما دنا من الرسول ، طمس اللّه بصره فلم يره ، فعاد إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه ، فجعل الغل يكون استعارة عن منع أبي جهل وغيره في هذه القصة . ولما كان أصحاب أبي جهل راضين بما أراد أن يفعل ، فنسب ذلك إلى الجمع . وقالت فرقة : استعارة لمنع اللّه إياهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه . قال ابن عطية : وهذا أرجح الأقوال ، لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يؤمنون ، لما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغلولين . انتهى . وقال الزمخشري : مثل تصميمهم على الكفر ، وأنه لا سبيل إلى دعواهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ، ولا يطأطئون رؤوسهم له ، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا يبصرون ، إنهم متعامون عن النظر في آيات اللّه تعالى . انتهى ، وفيه دسيسة الاعتزال . ألا ترى إلى قول أهل السنة استعارة لمنع اللّه إياهم من الإيمان ؟ وقول الزمخشري مثل تصميمهم ونسبته الأفعال التي يعدها إليهم لا إلى اللّه . والغل ما أحاط بالعنق على معنى التعنيف والتضييق والتعذيب والأسر ، ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة على معنى التعليل . والظاهر عود الضمير في فهي إلى الأغلال ، لأنها هي المذكورة والمحدث عنها . قال ابن عطية : هي عريضة تبلغ بحرفها الأذقان ، والذقن مجتمع اللحيين ، فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء ، وذلك هو الإقماح ، وهو نحو الأقناع في الهيئة . وقال الزمخشري : الأغلال وأصله إلى الأذقان مكزوزة إليها ، وذلك أن طوق الغل الذي هو عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرا من الحلقة إلى الذقن ، فلا تخليه يطاطئ رأسه ويوطئ قذاله ، فلا يزال مقمحا . انتهى . وقال الفراء : القمح الذي يغض بصره بعد رفع رأسه . وقال الزجاج نحوه قال : يقال قمح البعير رأسه عن ري وقمح هو . وقال أبو عبيدة : قمح قموحا : رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب ، والجمع قماح ، ومنه قول بشر يصف ميتة أحدهم ليدفنها :
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 29 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 50 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل