تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
فيعرفون فضل اللّه عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف ، والهدنة بعد القتال ، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم . وقيل : السكينة إشارة إلى ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم من الشرائع ، ليزدادوا إيمانا بها إلى إيمانهم ، وهو التوحيد ؛ روي معناه عن ابن عباس . وقيل : الوقار والعظمة للّه ولرسوله . وقيل : الرحمة ليتراحموا ، وقاله ابن عباس .
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
: إشارة إلى تسليم الأشياء إليه تعالى ، ينصر من شاء ، وعلى أي وجه شاء ، ومن جنده السكينة ثبتت قلوب المؤمنين .
لِيُدْخِلَ
: هذه اللام تتعلق ، قيل : بإنا فتحنا لك . وقيل : بقوله :
لِيَزْدادُوا
. فإن قيل :
وَيُعَذِّبَ
عطف عليه ، والازدياد لا يكون سببا لتعذيب الكفار ، أجيب عن هذا بأنه ذكر لكونه مقصودا للمؤمن ، كأنه قيل : بسبب ازديادكم في الإيمان يدخلكم الجنة ويعذب الكفار بأيديكم في الدنيا . وقيل : بقوله :
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ
: أي بالمؤمنين . وهذه الأقوال فيها بعد . وقال الزمخشري :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، يسلط بعضها على بعض ، كما يقتضيه علمه وحكمته . ومن قضيته أن صلح قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ، وإن وعدهم أن يفتح لهم ، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة اللّه فيه ويشكرون ، فيستحقوا الثواب ، فيثيبهم ، ويعذب الكافرين والمنافقين ، لما غاظهم من ذلك وكرهوه . انتهى . ولا يظهر من كلامه هذا ما تتعلق به اللام ؛ والذي يظهر أنها تتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام ، وذلك أنه قال :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. كان في ذلك دليل على أنه تعالى يبتلي بتلك الجنود من شاء ، فيقبل الخير من قضى له بالخير ، والشر من قضى له بالشر .
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ
جنات ، ويعذب الكفار . فاللام تتعلق بيبتلي هذه ، وما تعلق بالابتلاء من قبول الإيمان والكفر .
وَيُكَفِّرَ
: معطوف على ليدخل ، وهو ترتيب في الذكر لا ترتيب في الوقوع . وكان التبشير بدخول الجنة أهم ، فبدئ به . ولما كان المنافقون أكثر ضررا على المسلمين من المشركين ، بدئ بذكرهم في التعذيب .
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ
: الظاهر أنه مصدر أضيف إلى ما يسوء المؤمنين ، وهو أن المشركين يستأصلونهم ولا ينصرون ، ويدل عليه :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
، و
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً
« 1 » . وقيل :
ظَنَّ السَّوْءِ
: ما يسوء المشركين من إيصال الهموم إليهم ، بسبب علو كلمة اللّه ، وتسليط رسوله قتلا وأسرا ونهبا . ثم أخبر أنهم يستعلي عليهم السوء ويحيط بهم ، فاحتمل أن يكون خبرا حقيقة ، واحتمل أن يكون هو وما بعده دعاء عليهم . وتقدم الكلام على هذه الجملة في سورة براءة . وقيل :
هامش
( 1 ) سورة الفتح : 48 / 12 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 485 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل