تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
تدخلها أنت وأصحابك من قابل ، ليطوفوا بالبيت من الفتاحة ، وهي الحكومة ، وكذا عن قتادة . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز ؛ كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة ، ونصرناك على عدوّك ، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل . ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث أنه جهاد للعدوّ ، وسبب للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحا ، بحرب أو بغير حرب ، لأنه منغلق ما لم يظفر ، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح . انتهى . وقال ابن عطية : المراد هنا : أن اللّه فتح لك لكي يجعل ذلك علامة لغفرانه لك ، فكأنها لام صيرورة ، ولهذا قال عليه السلام : « لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إلي من الدنيا » . انتهى . ورد بأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها ، ولو جاز هذا بحال لجاز : ليقوم زيد ، في معنى : ليقومنّ زيد . انتهى . أما الكسر ، فقد علل بأنه شبهت تشبيها بلام كي ، وأما النصب فله أن يقول : ليس هذا نصبا ، لكنها الحركة التي تكون مع وجود النون ، بقيت بعد حذفها دلالة على الحذف ، وبعد هذا ، فهذا القول ليس بشيء ، إذ لا يحفظ من لسانهم : واللّه ليقوم ، ولا باللّه ليخرج زيد ، بكسر اللام وحذف النون ، وبقاء الفعل مفتوحا .
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
، بإظهارك على عدوّك ورضاه عنك ، وبفتح مكة والطائف وخيبر
نَصْراً عَزِيزاً
، أي بالظفر والتمكن من الأعداء بالغنيمة والأسر والقتل نصرا فيه عز ومنعة . وأسندت العزة إليه مجازا ، والعزيز حقيقة هو المنصور صلى اللّه عليه وسلم . وأعيد لفظ اللّه في :
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً
، لما بعد عن ما عطف عليه ، إذ في الجملتين قبله ضمير يعود على اللّه ، وليكون المبدأ مسندا إلى الاسم الظاهر والمنتهى كذلك . ولما كان الغفران وإتمام النعمة والهداية والنصر يشترك في إطلاقها الرسول صلى اللّه عليه وسلم وغيره بقوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
« 1 » ، وقوله :
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
« 2 » ؛ وكان الفتح لم يبق لأحد إلا للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أسنده تعالى إلى نون العظمة تفخيما لشأنه ، وأسند تلك الأشياء الأربعة إلى الاسم الظاهر ، واشتركت الخمسة في الخطاب له صلى اللّه عليه وسلم ، تأنيسا له وتعظيما لشأنه . ولم يأت بالاسم الظاهر ، لأن في الإقبال على المخاطب ما لا يكون في الاسم الظاهر .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
: وهي الطمأنينة والسكون ؛ قيل : بسبب الصلح والأمن ،
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 48 . ( 2 ) سورة الصافات : 37 / 172 .