تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً . وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ، إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
. هذه السورة مدنية ، وعن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة ، ولعل بعضا منها نزل ، والصحيح أنها نزلت بطريق منصرفه صلى اللّه عليه وسلم من الحديبية ، سنة ست من الهجرة ، فهي تعد في المدني . ومناسبتها لما قبلها أنه تقدم :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا
« 1 » الآية ، وهي خطاب لكفار قريش ، أخبر رسوله بالفتح العظيم ، وأنه بهذا الفتح حصل الاستبدال ، وآمن كل من كان بها ، وصارت مكة دار إيمان . ولما قفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من صلح الحديبية ، تكلم المنافقون وقالوا : لو كان محمد نبيا ودينه حق ، ما صد عن البيت ، ولكان فتح مكة . فأكذبهم اللّه تعالى ، وأضاف عزّ وجل الفتح إلى نفسه ، إشعارا بأنه من عند اللّه ، لا بكثرة عدد ولا عدد ، وأكده بالمصدر ، ووصفه بأنه مبين ، مظهر لما تضمنه من النصر والتأييد . والظاهر أن هذا الفتح هو فتح مكة . وقال الكلبي ، وجماعة : وهو المناسب لآخر السورة التي قبل هذه لما قال :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ
« 2 » الآية ، بين أنه فتح لهم مكة ، وغنموا وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ؛ ولو بخلوا ، لضاع عليهم ذلك ، فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم . وأيضا لما قال :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
« 3 » ، بين برهانه بفتح مكة ، فإنهم كانوا هم الأعلين . وأيضا لما قال :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ
« 4 » ، كان فتح مكة حيث لم يلحقهم وهن ، ولا دعوا إلى صلح ، بل أتى صناديد قريش مستأمنين مستسلمين مسلمين . وكانت هذه البشرى بلفظ الماضي ، وإن كان لم يقع ، لأن إخباره تعالى بذلك لا بد من وقوعه ، وكون هذا الفتح هو فتح مكة بدأ به الزمخشري . وقال الجمهور : هو فتح الحديبية ؛ وقاله : السدي ، والشعبي ، والزهري . قال ابن عطية : وهو الصحيح . انتهى . ولم يكن فيه قتال
هامش
( 1 ) سورة محمد : 47 / 38 . ( 2 ) سورة محمد : 47 / 38 . ( 3 ) سورة محمد : 47 / 35 . ( 4 ) سورة محمد : 47 / 35 .