تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وجوب الحذر ، فليحذر المقتصد ، وليهلك الظالم لنفسه حذرا ، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب اللّه ، ولا يغتر بما رواه عمر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له » ، فإن شرط ذلك صحة التوبة ، عسى اللّه أن يتوب عليهم . وقوله : إما يعذبهم ، وإما يتوب عليهم ، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخداع . انتهى ، وهو على طريق المعتزلة . وقرأ الجمهور :
يُحَلَّوْنَ
بضم الياء وفتح الحاء وشد اللام ، مبنيا للمفعول . وقرئ : بفتح الياء وسكون الحاء وتخفيف اللام ، من حليت المرأة فهي حال ، إذا لبست الحلي . ويقال : جيد حال ، إذا كان فيه الحلي ، وتقدم في سورة الحج الكلام على
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ
. وقرأ الجمهور :
الْحَزَنَ
: بفتحتين ؛ وقرئ بضم الحاء وسكون الزاي ، ذكره جناح بن حبيش ، والحزن يعم جميع الأحزان ، وقد خص المفسرون هنا وأكثروا ، وينبغي أن يحمل ذلك على التمثيل لا على التعيين ، فقال أبو الدرداء : حزن : أهوال يوم القيامة ، وما يصيب هنالك من ظلم نفسه من الغم والحزن . وقال سمرة بن جندب : معيشة الدنيا الخير ونحوه . وقال قتادة : حزن الدنيا في الحوفة أن لا يتقبل أعمالهم . وقال مقاتل : حزن الانتقال ، يقولونها إذا استقروا فيها . وقال الكلبي : خوف الشيطان . وقال ابن زيد : حزن : تظالم الآخرة ، والوقوف عن قبول الطاعات وردها ، وطول المكث على الصراط . وقال القاسم بن محمد : حزن : زوال الغم وتقلب القلب وخوف العاقبة ، وقد أكثروا حتى قال بعضهم : كراء الدار ، ومعناه أنه يعم كل حزن من أحزان الدين والدنيا حتى هذا .
إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
، لغفور : فيه إشارة إلى دخول الظالم لنفسه الجنة ، وشكور : فيه إشارة إلى السابق وأنه كثير الحسنات . والمقامة : هي الإقامة أي الجنة ، لأنها دار إقامة دائما لا يرحل عنها .
مِنْ فَضْلِهِ
: من عطائه .
لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ
: أي تعب بدن ،
وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
: أي تعب نفس ، وهو لازم عن تعب البدن . وقال قتادة : اللغوب : الوضع . وقال الزمخشري : النصب : التعب والمشقة التي تصيب المنتصب المزاول له ، وأما اللغوب : فما يلحقه من القتور بسبب النصب . فالنصب نفس المشقة والكلفة ، واللغوب نتيجته ، وما يحدث منه من الكلال والفترة . انتهى . فإن قلت : إذا انتفى السبب انتفى مسببه ، فما حكمه إذا نفي السبب وانتفى مسببه ؟ وأنت تقول : ما شبعت ولا أكلت ، ولا يحسن ما أكلت ولا شبعت ، لأنه يلزم