تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
والنظر في مخلوقات اللّه واختلاف ألوانها يخشى اللّه . ولكن التركيب جاء بإنما ، وهي تقطع هذا المجرور عما بعدها ، والعلماء هم الذين علموه بصفاته وتوحيده وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه ، فعظموه وقدروه حق قدره ، وخشوه حق خشيته ، ومن ازداد به علما ازداد منه خوفا ، ومن كان علمه به أقل كان آمن ، وقد وردت أحاديث وآثار في الخشية . وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق ، وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه . ومن ادعى أن إنما للحصر قال : المعنى ما يخشى اللّه إلا العلماء ، فغيرهم لا يخشاه ، وهو قول الزمخشري . وقال ابن عطية : وإنما في هذه الآية تخصيص العلماء لا الحصر ، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضا دونه ، وإنما ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه . انتهى . وجاءت هذه الجملة بعد قوله :
أَ لَمْ تَرَ
، إذ ظاهره خطاب للرسول ، حيث عدد آياته وأعلام قدرته وآثار صنعته ، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس ، وما يستدل به عليه وعلى صفاته ، فكأنه قال : إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته . وقرأ الجمهور : بنصب الجلالة ورفع العلماء . وروي عن عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة عكس ذلك ، وتؤولت هذه القراءة على أن الخشية استعارة للتعظيم ، لأن من خشي وهاب أجل وعظم من خشيه وهاب ، ولعل ذلك لا يصح عنهما . وقد رأينا كتبا في الشواذ ، ولم يذكروا هذه القراءة ، وإنما ذكرها الزمخشري ، وذكرها عن أبي حيوة أبو القاسم يوسف بن جبارة في كتابه الكامل .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
: تعليل للخشية ، إذ العزة تدل على عقوبة العصاة وقهرهم ، والمغفرة على إنابة الطائعين والعفو عنهم .
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
: ظاهره يقرءون ،
كِتابَ اللَّهِ
: أي يداومون تلاوته . وقال مطرف بن عبد اللّه بن الشخير : هذه آية القراء ، ويتبعون كتاب اللّه ، فيعملون بما فيه ؛ وعن الكلبي : يأخذون بما فيه . وقال السدي : هم أصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ورضي عنهم وقال : « عطاءهم المؤمنون » . ولما ذكر تعالى وصفهم بالخشية ، وهي عمل القلب ، ذكر أنهم يتلون كتاب اللّه ، وهو عمل اللسان .
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
: وهو عمل الجوارح ، وينفقون : وهو العمل المالي . وإقامة الصلاة والإنفاق : يقصدون بذلك وجه اللّه ، لا للرياء والسمعة .
تِجارَةً لَنْ تَبُورَ
: لن تكسد ، ولا يتعذر الربح فيها ، بل ينفق عند اللّه .
لِيُوَفِّيَهُمْ
: متعلق بيرجون ، أو بلن تبور ، أو بمضمر تقديره : فعلوا ذلك ، أقوال . وقال الزمخشري : وإن شئت فقلت : يرجون في موضع الحال على وأنفقوا راجين ليوفيهم ، أي فعلوا جميع ذلك لهذا الغرض . وخبر إن قوله :
إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
لأعمالهم ، والشكر مجاز عن
البحر المحيط في التفسير — صفحة 31 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل