تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
على جدالهم بالباطل ، ودفعهم ما يجب لك من تقدمك عليهم ، لما منحك من النبوة وكلفك من أعباء الرسالة .
ما هُمْ بِبالِغِيهِ
: أي ببالغي موجب الكبر ومقتضيه من رياستهم وتقدمهم ، وفي ذلك إشارة إلى أنهم لا يرأسون ، ولا يحصل لهم ما يؤملونه . وقال الزجاج : المعنى على تكذيب إلا ما في صدورهم من الكبر عليك ، وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر ، لأن اللّه أذلهم . وقال ابن عطية : تقديره مبالغي إرادتهم فيه . وقال مقاتل : هي في اليهود . قال مقاتل : عظمت اليهود الدجال وقالوا : إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ
، لأن الدجال من آياته ،
بِغَيْرِ سُلْطانٍ
: أي حجة ،
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
من فتنة الدجال . والمراد بخلق الناس الدجال ، وإلى هذا ذهب أبو العالية ، وهذا القول أصح . وقال الزمخشري : وقيل المجادلون هم اليهود ، وكانوا يقولون : يخرج صاحبنا المسيح بن داود ، يريدون الدجال ، ويبلغ سلطانه البر والبحر ، وتسير معه الأنهار ، وهو آية من آيات اللّه ، فيرجع إلينا الملك ، فسمى اللّه تمنيتهم ذلك كبرا ، ونفى أن يبلغوا متمناهم . انتهى . وكان رئيس اليهود في زمانه في مصر موسى بن ميمون الأندلسي القرطبي قد كتب رسالته إلى يهود اليمن أن صاحبهم يظهر في سنة كذا وخمسمائة ، وكذب عدوّ اللّه . جاءت تلك السنة وسنون بعدها كثيرة ، ولم يظهر شيء مما قاله ، لعنه اللّه . وكان هذا اليهودي قد أظهر الإسلام ، حتى استسلم اليهود بعض ملوك المغرب ، ورجل من الأندلس . فيذكر أنه صلى بالناس التراويح وهم على ظهر السفينة في رمضان ، إذ كان يحفظ القرآن . فلما قدم مصر ، وكان ذلك في دولة العبيديين ، وهم لا يتقيدون بشريعة ، رجع إلى اليهودية وأخبر أنه كان مكرها على الإسلام ، فقبل منه ذلك ، وصنف لهم تصانيف ، ومنها : ( كتاب دلالة الحائرين ) ، وإنما استفاد ما استفاد من مخالطة علماء الأندلس وتودده لهم ، والرئاسة إلى الآن بمصر لليهود في كل من كان من ذريته .
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
: أي التجئ إليه من كيد من يحسدك .
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
لما تقول ويقولون ،
الْبَصِيرُ
بما تعمل ويعملون ، فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم . ثم نبه تعالى أنه لا ينبغي أن يجادل في آيات اللّه ، ولا يتكبر الإنسان بقوله :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
: أي أن مخلوقاته أكبر وأجل من خلق البشر ، فما لأحد يجادل ويتكبر على خالقه . وقال الزمخشري : مجادلتهم في آيات اللّه كانت مشتملة على إنكار البعث ، وهو أصل المجادلة ومدارها ، فجحدوا بخلق السماوات والأرض ، لأنهم