تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
حكى : مررت بكل قائما ، وببعض جالسا في الفصيح الكثير في كلامهم ، وقد شذ نصب كل على الحال في قولهم : مررت بهم كلا ، أي جميعا . فإن قلت : كيف يجعله بدلا ، وهو بدل كل من كل من ضمير المتكلم ، وهو لا يجوز على مذهب البصريين ؟ قلت : مذهب الأخفش والكوفيين جوازه ، وهو الصحيح ، على أن هذا ليس مما وقع فيه الخلاف ، بل إذا كان البدل يفيد الإحاطة ، جاز أن يبدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب ، لا نعلم خلافا في ذلك ، كقوله تعالى :
تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
« 1 » ، وكقولك : مررت بكم صغيركم وكبيركم ، معناه : مررت بكم كلكم ، وتكون لنا عيدا كلنا . فإذا جاز ذلك فيما هو بمعنى الإحاطة ، فجوازه فيما دل على الإحاطة ، وهو كل أولى ، ولا التفات لمنع المبرد البدل فيه ، لأنه بدل من ضمير المتكلم ، لأنه لم يتحقق مناط الخلاف . ولما أجاب الضعفاء المستكبرون قالوا جميعا :
لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ
، وأبرز ما أضيف إليه الخزنة ، ولم يأت ضميرا ، فكان يكون التركيب لخزنتها ، لما في ذكر جهنم من التهويل ، وفيها أطغى الكفار وأعتاهم . ولعل الكفار توهموا أن ملائكة جهنم الموكلين بعذاب تلك الطغاة هم أقرب منزلة عند اللّه من غيرهم من الملائكة الموكلين ببقية دركات النار ، فرجوا أن يجيبوهم ويدعوا لهم بالتخفيف ، فراجعتهم الخزنة على سبيل التوبيخ لهم والتقرير :
أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ
، فأجابوا بأنهم أتتهم ،
قالُوا
: أي الخزنة ،
فَادْعُوا
أنتم على معنى الهزء بهم ، أو فادعوا أنتم ، فإنا لا نجترئ على ذلك . والظاهر أن قوله :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
من كلام الخزنة : أي دعاؤكم لا ينفع ولا يجدي . وقيل : هو من كلام اللّه تعالى إخبارا منه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وجاءت هذه الأخبار معبرا عنها بلفظ الماضي الواقع لتيقن وقوعها . ثم ذكر تعالى أنه ينصر رسله ويظفرهم بأعدائهم ، كما فعل بموسى عليه السلام ، حيث أهلك عدوّه فرعون وقومه ، وفيه تبشير للرسول عليه السلام بنصره على قومه ،
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
، العاقبة الحسنة لهم ،
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
: وهو يوم القيامة . قال ابن عباس : ينصرهم بالغلبة ، وفي الآخرة بالعذاب . وقال السدّي : بالانتقام من أعدائهم . وقال أبو العالية : بإفلاح حجتهم . وقال السدّي أيضا : ما قتل قوم قط نبيّا أو قوما من دعاة الحق إلا بعث اللّه من ينتقم لهم ، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا . انتهى . ألا ترى إلى قتلة
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 114 .