تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الألوهية في الدنيا ولا في الآخرة ، أو دعوة مستجابة جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة ، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة ، كما سمى الفعل المجازى عليه باسم الجزاء في قوله : كما تدين تدان . وقال الكلبي : ليست له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة ، وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام ، ثم دعاهم إلى عبادة البقر ، وكانت تعبد ما دامت شابة ، فإذا هزلت أمر بذبحها ودعا بأخرى لتعبد . فلما طال عليه الزمان قال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
« 1 » . ولما ذكر انتفاء دعوة ما عبد من دون اللّه وذكر أن مرد الجميع إلى اللّه ، أي إلى جزائه ،
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ
: وهم المشركون في قول قتادة ، والسفاكون للدماء بغير حلها في قول ابن مسعود ومجاهد . وقيل : من غلب شره خيره هو المسرف . وقال عكرمة : هم الجبارون المتكبرون . وختم المؤمن كلامه بخاتمة لطيفة توجب التخويف والتهديد وهي قوله :
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ
: أي إذا حل بكم عقاب اللّه .
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي
إلى قضاء اللّه وقدره ، لا إليكم ولا إلى أصنامكم ، وكانوا قد توعدوه . ثم ذكر ما يوجب التفويض ، وهو كونه تعالى بصيرا بأحوال العباد وبمقادير حاجاتهم . قال مقاتل : لما قال هذه الكلمات ، قصدوا قتله ؛ فهرب هذا المؤمن إلى الجبل ، فلم يقدروا عليه . وقيل : لما أظهر إيمانه ، بعث فرعون في طلبه ألف رجل ؛ فمنهم من أدركه ، فذب السباع عنه وأكلتهم السباع ، ومنهم من مات في الجبال عطشا ، ومنهم من رجع إلى فرعون خائبا ، فاتهمه وقتله وصلبه . وقيل : نجا مع موسى في البحر ، وفر في جملة من فر معه .
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
: أي شدائد مكرهم التي تسوؤه ، وما هموا به من أنواع العذاب لمن خالفهم .
وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ
، قال ابن عباس : هو ما حاق بالألف الذين بعثهم فرعون في طلب المؤمن ، من أكل السباع ، والموت بالعطش ، والقتل والصلب ، كما تقدم . وقيل :
سُوءُ الْعَذابِ
: هو الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة .
النَّارُ
بدل من
سُوءُ الْعَذابِ
، أو خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قيل : ما سوء العذاب : قيل : النار ، أو مبتدأ خبره
يُعْرَضُونَ
، ويقوي هذا الوجه قراءة من نصب ، أي تدخلون النار يعرضون عليها . وقال الزمخشري : ويجوز أن ينصب على الاختصاص . والظاهر أن عرضهم على النار مخصوص بهذين الوقتين ، ويجوز أن يراد بذكر الطرفين الدوام في الدنيا ، والظاهر أن العرض خلاف الإحراق . وقال الزمخشري : عرضهم عليها : إحراقهم بها ، يقال : عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به . انتهى ،
هامش
( 1 ) سورة النازعات : 79 / 24 .