تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
في صورة تذكيرهم ، ولا يفجأهم بالخطاب . وفي قوله :
كَبُرَ مَقْتاً
ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم والشهادة على خروجه عن حدّ إشكاله من الكبائر .
كَذلِكَ
: أي مثل ذلك الطبع على قلوب المجادلين ،
يَطْبَعُ اللَّهُ
: أي يحتم بالضلالة ويحجب عن الهدى . وقرأ أبو عمرو بن ذكوان ، والأعرج ، بخلاف عنه : قلب بالتنوين ، وصف القلب بالتكبر والجبروت ، لكونه مركزهما ومنبعهما ، كما يقولون : رأت العين ، وكما قال :
فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
« 1 » ، والإثم : الجملة ، وأجاز الزمخشري أن يكون على حذف المضاف ، أي على كل ذي قلب متكبر ، بجعل الصفة لصاحب القلب . انتهى ، ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف . وقرأ باقي السبعة : قلب متكبر بالإضافة ، والمضاف فيه العام عام ، فلزم عموم متكبر جبار . وقال مقاتل : المتكبر : المعاند في تعظيم أمر اللّه ، والجبار المسلط على خلق اللّه .
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً
، أقوال فرعون :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى
،
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى
،
يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً
، حيدة عن محاجة موسى ، ورجوع إلى أشياء لا تصح ، وذلك كله لما خامره من الجزع والخوف وعدم المقاومة ، والتعرف أن هلاكه وهلاك قومه على يد موسى ، وأن قدرته عجزت عن التأثير في موسى ، هذا على كثرة سفكه الدماء . وتقدم الكلام في الصرح في سورة القصص فأغنى عن إعادته . قال السدي : الأسباب : الطرق . وقال قتادة : الأبواب ؛ وقيل : عنى لعله يجد ، مع قربه من السماء ، سببا يتعلق به ، وما أدراك إلى شيء فهو سبب ، وأبهم أولا الأسباب ، ثم أبدل منها ما أوضحها . والإيضاح بعد الإبهام يفيد تفخيم الشيء ، إذ في الإبهام تشوق للمراد ، وتعجب من المقصود ، ثم بالتوضيح يحصل المقصود ويتعين . وقرأ الجمهور : فأطلع رفعا ، عطفا على أبلغ ، فكلاهما مترجي . وقرأ الأعرج ، وأبو حيوة ، وزيد بن علي ، والزعفراني ، وابن مقسم ، وحفص : فأطلع ، بنصب العين . وقال أبو القاسم بن جبارة ، وابن عطية : على جواب التمني . وقال الزمخشري : على جواب الترجي ، تشبيها للترجي بالتمني . انتهى . وقد فرق النحاة بين التمني والترجي ، فذكروا أن التمني يكون في الممكن والممتنع ، والترجي يكون في الممكن . وبلوغ أسباب السماوات غير ممكن ، لكن فرعون أبرز ما لا يمكن في صورة الممكن تمويها على سامعيه . وأما النصب بعد الفاء في جواب الترجي فشئ أجازه الكوفيون ومنعه البصريون ، واحتج الكوفيون بهذه القراءة وبقراءة عاصم ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 283 .