تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
و
رَحْمَةً
،
وَذِكْرى
: مفعولان لهما ، أي أن الهبة كانت لرحمتنا إياه ، وليتذكر أرباب العقول ، وما يحصل للصابرين من الخير ، وما يؤول إليه من الأجر . وفي الكلام حذف تقديره : وكان حلف ليضربن امرأته مائة ضربة لسبب جرى منها ، وكانت محسنة له ، فجعلنا له خلاصا من يمينه بقولنا :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً
. قال ابن عباس : الضغث : عثكال النخل . وقال مجاهد : الأثل ، وهو نبت له شوك . وقال الضحاك : حزمة من الحشيش مختلفة . وقال الأخفش : الشجر الرطب ، واختلفوا في السبب الذي أوجب حلفه . ومحصول أقوالهم هو تمثل الشيطان لها في صورة ناصح أو مداو . وعرض لها شفاء أيوب على يديه على شرط لا يمكن وقوعه من مؤمن ، فذكرت ذلك له ، فعلم أن الذي عرض لها هو الشيطان ، وغضب لعرضها ذلك عليه فحلف . وقيل غير ذلك من الأسباب ، وهي متعارضة . فحلل اللّه يمينه بأهون شيء عليه وعليها ، لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها ، وقد وقع مثل هذه الرخصة في الإسلام . أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمخدج قد خبث بأمة فقال : « خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة » . وقال بذلك بعض أهل العلم في الإيمان ، قال : ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المائة ، إما أطرافها قائمة ، وإما أعراضها مبسوطة ، مع وجود صورة الضربة . والجمهور على ترك القول في الحدود ، وأن البر في الإيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات . ووصف اللّه تعالى نبيه بالصبر . وقد قال :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
« 1 » ، فدل على أن الشكوى إلى اللّه تعالى لا تنافي الوصف بالصبر . وقد قال يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى اللّه على أن أيوب عليه السلام طلب الشفاء خيفة على قومه أن يوسوس إليهم الشيطان أنه لو كان نبيا لم يبتل ، وتألفا لقومه على الطاعة ، وبلغ أمره في البلاء إلى أنه لم يبق منه إلا القلب واللسان . و يروى أنه قال في مناجاته : إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ، ولم يتبع قلبي بصري ، ولم يمنعني ما ملكت يميني ، ولم آكل إلا ومعي يتيم ، ولم أبت شبعانا ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان ، فكشف اللّه عنه .
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ
، وقرأ ابن عباس وابن كثير وأهل مكة ، عبدنا على الإفراد ، وإبراهيم بدل منه ، أو عطف بيان . والجمهور على الجمع ، وما بعده من الثلاثة بدل أو عطف بيان . وقرأ الجمهور :
أُولِي الْأَيْدِي
، بالياء . قال ابن عباس ومجاهد : القوة في طاعة اللّه . وقيل : إحسانهم في الدين وتقدمهم عند اللّه على عمل صدق ، فهي كالأيدي ،
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 83 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 163 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل