تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
بدل . قال الزمخشري : وإذ بدل اشتمال منه . وقرأ الجمهور :
أَنِّي
بفتح الهمزة ، وعيسى : بكسرها ، وجاء بضمير التكلم حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك لقال : إنه مسه ، لأنه غائب ، وأسند المس إلى الشيطان . قال الزمخشري : لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببا فيما مسه اللّه به من النصب والعذاب ، نسبه إليه وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى اللّه في دعائه ، مع أنه فاعله ، ولا يقدر عليه إلا هو . وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به البلاء ، فالتجأ إلى اللّه في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل . وذكر في سبب بلائه أن رجلا استغاثه على ظالم ، فلم يغثه . وقيل : كانت مواشيه في ناحية ملك كافر ، فداهنه ولم يفده . وقيل : أعجب بكثرة ماله . انتهى . ولا يناسب مناصب الأنبياء ما ذكره الزمخشري من أن أيوب كانت منه طاعة للشيطان فيما وسوس به ، وأن ذلك كان سببا لما مسه اللّه به من النصب والعذاب ، ولا أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه ، ولا أنه داهن كافرا ، ولا أنه أعجب بكثرة ماله . وكذلك ما رووا أن الشيطان سلطه اللّه عليه حتى أذهب أهله وماله لا يمكن أن يصح ، ولا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس الفاسدة لغير المعصوم . والذي نقوله : أنه تعالى ابتلى أيوب عليه السلام في جسده وأهله وماله ، على ما روي في الأخبار . و روى أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن أيوب بقي في محنته ثماني عشرة سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم ، ولم يصبر عليه إلا امرأته ، ولم يبين لنا توالي السبب المقتضي لعلته . وأما إسناده المس إلى الشيطان ، فسبب ذلك أنه كان يعوده ثلاث من المؤمنين ، فارتد أحدهم ، فسأل عنه فقيل : ألقى إليه الشيطان أن اللّه لا يبتلي الأنبياء والصالحين ، فحينئذ قال :
مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ
، نزل لشفقته على المؤمنين . مس الشيطان ذلك المؤمن حتى ارتد منزلة مسه لنفسه ، لأن المؤمن الخير يتألم برجوع المؤمن الخير إلى الكفر ؛ ولذلك جاء بعده :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ
، حتى يغتسل ويذهب عنه البلاء ، فلا يرتد أحد من المؤمنين بسبب طول بلائه ، وتسويل الشيطان أنه تعالى لا يبتلي الأنبياء . وقيل : أشار بقوله :
مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ
إلى تعريضه لامرأته ، وطلبه أن تشرك باللّه ، وكأنه بتشكي هذا الأمر كان عليه أشدّ من مرضه . وقرأ الجمهور :
بِنُصْبٍ
، بضم النون وسكون الصاد ، قيل : جمع نصب ، كوثن ووثن ؛ وأبو جعفر ، وشيبة ، وأبو عمارة عن حفص ، والجعفي عن أبي بكر ، وأبو معاذ عن نافع : بضمتين ،
البحر المحيط في التفسير — صفحة 161 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل