تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ، ليكون ذلك دليلا على نبوته ، قاهرا للمبعوث إليهم ، ولن يكون معجزة حتى تخرق العادات ، فذلك معنى قوله :
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
. وقيل : كان ملكا عظيما ، فخاف أن يعطى مثله أحد ، فلا يحافظ على حدود اللّه فيه ، كما قالت الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
« 1 » . وقيل : ملكا لا أسلبه ، ولا يقوم فيه غيري مقامي . ويجوز أن يقال : علم اللّه فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين ، وعلم أنه لا يطلع بأحبابه غيره ، وأوجبت الحكمة استيهابه ، فأمره أن يستوهبه بأمر من اللّه على الصفة التي علم اللّه أن لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده . أو أراد أن يقول : ملكا عظيما ، فقال :
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
، ولم يقصد بذلك إلا عظمة الملك وسعته ، كما تقول لفلان : ما ليس لأحد من الفضل والمال ، وربما كان للناس أمثال ذلك ، ولكنك تريد تعظيم ما عنده . انتهى . ولما بالغ في صفة هذا الملك الذي طلبه ، أتى في صفته تعالى باللفظ الدال على المبالغة فقال :
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
: أي الكثير الهبات ، لا يتعاظم عنده هبة . ولما طلب الهبة التي اختص بطلبها ، وهبه وأعطاه ما ذكر تعالى من قوله :
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ
. وقرأ الجمهور : بالإفراد ؛ والحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، وأبو جعفر : الرياح بالجمع ، وهو أعم لعظم ملك سليمان ، وإن كان المفرد بمعنى الجمع لكونه اسم جنس .
تَجْرِي
: يحتمل أن تكون جملة حالية ، أي جارية ، وأن تكون تفسيرية لقوله :
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ
.
بِأَمْرِهِ
؛ أي لا يمتنع عليه إذا أراد جريها .
رُخاءً
، قال ابن عباس والحسن والضحاك : مطيعة . وقال مجاهد : طيبة .
حَيْثُ أَصابَ
: أي حيث قصد وأراد ، حكى الزجاج عن العرب . أصاب الصواب فأخطأ الجواب : أي قصد . وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة ، فخرج إليهما فقال : أين تصيبان ؟ فقال : هذه طلبتنا . ويقال : أصاب اللّه بك خيرا ، وأنشد الثعلبي :
أصاب الكلام فلم يستطع * فأخطأ الجواب لدى المفصل
وقال وهب : حيث أصاب ، أي أراد . قيل : ويجوز أن يكون أصاب دخلت فيه همزة التعدية من صاب ، أي حيث وجه جنوده وجعلهم يصوبون صوب السحاب والمطر ، وقيل :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 30 .