تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده ، لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » . فالمراد بقوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً
هو هذا ، والجسد الملقى هو المولود شق رجل . وقال قوم : مرض سليمان مرضا كالإغماء حتى صار على كرسيه جسدا كأنه بلا روح . ولما أمر تعالى نبيه عليه السلام بالصبر على ما يقول كفار قريش وغيرهم ، أمره بأن يذكر من ابتلي فصبر ، فذكر قصة داود وقصة سليمان وقصة أيوب ليتأسى بهم ، وذكر ما لهم عنده من الزلفى والمكانة ، فلم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوه به ويستحيل عقلا وجود بعض ما ذكروه ، كتمثل الشيطان بصورة نبي ، حتى يلتبس أمره عند الناس ، ويعتقدون أن ذلك المتصور هو النبي ، ولو أمكن وجود هذا ، لم يوثق بإرسال نبي ، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية ، نسأل اللّه سلامة أذهاننا وعقولنا منها .
ثُمَّ أَنابَ
: أي بعد امتحاننا إياه ، أدام الإنابة والرجوع .
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي
: هذا أدب الأنبياء والصالحين من طلب المغفرة من اللّه هضما للنفس وإظهارا للذلة والخشوع وطلبا للترقي في المقامات ، وفي الحديث : « إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » ، والاستغفار مقدمة بين يدي ما يطلب المستغفر بطلب الأهم في دينه ، فيترتب عليه أمر دنياه ، كقول نوح في ما حكى اللّه عنه :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
« 1 » الآية . والظاهر أن طلب الملك كان بعد هذه المحنة . وذكر المفسرون أنه أقام في ملكه عشرين سنة قبل هذا الابتلاء ، وأقام بعدها عشرين سنة ، فيمكن أنه كان في ملك قبل المحنة ، ثم سأل بعدها ملكا مقيدا بالوصف الذي بعده ، وهو كونه لا ينبغي لأحد من بعده ، واختلفوا في هذا القيد ، فقال عطاء بن أبي رباح وقتادة : إلى مدة حياتي ، لا أسلبه ويصير إلى غيري . قال ابن عطية : إنما قصد بذلك قصدا جائزا ، لأن للإنسان أن يرغب من فضل اللّه فيما لا يناله أحد ، لا سيما بحسب المكانة والنبوة . وانظر إلى قوله :
لا يَنْبَغِي
، إنما هي لفظة محتملة ليست تقطع في أنه لا يعطي اللّه نحو ذلك الملك لأحد . انتهى . وقال الزمخشري : كان سليمان عليه السلام ناشئا في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما ؛ فأراد أن يطلب من ربه معجزة ، فطلب على حسب إلفه ملكا زائدا على الممالك
هامش
( 1 ) سورة نوح : 71 / 10 - 11 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 156 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل