تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
، بتخفيف الصاد ، من التصديق ؛ وفرقة : بشدها ، من التصديق . قال قرة بن ثعلبة النهراني : كانا شريكين بثمانية آلاف درهم ، يعبد اللّه أحدهما ، ويقصر في التجارة والنظر ؛ والآخر كان مقبلا على ماله ، فانفصل من شريكه لتقصيره ، فكلما اشترى دارا أو جارية أو بستانا ونحوه ، عرضه على المؤمن وفخر عليه ، فيتصدق المؤمن بنحو من ذلك ليشتري به في الجنة ، فكان من أمرهما في الآخرة ما قصه اللّه . وقال الزمخشري : نزلت في رجل تصدق بماله لوجه اللّه ، فاحتاج ، فاستجدى بعض إخوانه ، فقال : وأين مالك ؟ فقال : تصدقت به ليعوضني اللّه في الآخرة خيرا منه ، فقال :
أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
بيوم الدين ، أو من المتصدقين لطلب الثواب ؟ واللّه لا أعطيك شيئا .
أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ
، قال ابن عباس ، وقتادة والسدي : لمجازون محاسبون ؛ وقيل : لمسوسون مديونون . يقال : دانه : ساسه ، ومنه الحديث : « العاقل من دان نفسه » . والظاهر أن الضمير في
قالَ هَلْ أَنْتُمْ
عائد على قائل في قوله :
قالَ قائِلٌ
. قيل : وفي الكلام حذف تقديره : فقال لهذا القائل حاضروه من الملائكة : إن قرينك هذا في جهنم يعذب ، فقال عند ذلك :
هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
. والخطاب في
هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
يجوز أن يكون للملائكة ، وأن يكون لرفقائه في الجنة الذين كان هو وإياهم يتساءلون ، أو لخدمته ، وهذا هو الظاهر . لما كان قرينه ينكر البعث ، علم أنه في النار فقال :
هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
إلى النار لأريكم ذلك القرين ؟ وعلى هذا القول لا يحتاج الكلام إلى حذف ، ولا لقول الملائكة : إن قرينك في جهنم يعذب . قيل : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار . وقيل : القائل
هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
اللّه تعالى . وقيل : بعض الملائكة يقول لأهل الجنة : بل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار . وقرأ الجمهور :
مُطَّلِعُونَ
، بتشديد الطاء المفتوحة وفتح النون ، واطلع بشد الطاء فعلا ماضيا . وقرأ أبو عمرو في رواية حسين الجعفي : مطلعون ، بإسكان الطاء وفتح النون ، فأطلع بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر اللام فعلا ماضيا مبنيا للمفعول ، وهي قراءة ابن عباس وابن محيصن وعمار بن أبي عمار وأبي سراج . وقرئ : فأطلع ، مشددا مضارعا منصوبا على جواب الاستفهام . وقرئ : مطلعون ، بالتخفيف ، فاطلع مخففا فعلا ماضيا ، وفأطلع مخففا مضارعا منصوبا . وقرأ أبو البرهسم ، وعمار بن أبي عمار فيما ذكره خلف عن عمار : مطلعون ، بتخفيف الطاء وكسر النون ، فاطلع ماضيا مبنيا للمفعول ؛ ورد هذه القراءة أبو حاتم وغيره . لجمعها بين نون الجمع وياء المتكلم . والوجه مطلعي ، كما قال ، أو مخرجي
البحر المحيط في التفسير — صفحة 103 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل