تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
قَدَّمَتْ يَداكَ
« 1 » . وقيل : أخذ بيديه حجرا ليرمي به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فأسند التب إليهما . والظاهر أن التب دعاء ، وتب : إخبار بحصول ذلك ، كما قال الشاعر :
جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه * جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
ويدل عليه قراءة عبد اللّه : وقد تب . روي أنه لما نزل :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
« 2 » ، قال : « يا صفية بنت عبد المطلب ، يا فاطمة بنت محمد ، لا أغني لكما من اللّه شيئا ، سلاني من مالي ما شئتما » . ثم صعد الصفا ، فنادى بطون قريش : « يا بني فلان يا بني فلان » . وروي أنه صاح بأعلى صوته : « يا صباحاه » . فاجتمعوا إليه من كل وجه ، فقال لهم : « أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خيلا بسفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي ؟ » قالوا : نعم ، قال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ فافترقوا عنه ، ونزلت هذه السورة . وأبو لهب اسمه عبد العزى ، ابن عم المطلب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقرأ ابن محيصن وابن كثير : أبي لهب بسكون الهاء ، وفتحها باقي السبعة ولم يختلفوا في ذات لهب ، لأنها فاصلة ، والسكون يزيلها على حسن الفاصلة . قال الزمخشري : وهو من تغيير الأعلام ، كقولهم : شمس مالك بالضم . انتهى ، يعني : سكون الهاء في لهب وضم الشين في شمس ، ويعني في قول الشاعر :
وإني لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عمي الصدق شمس بن مالك
فأما في لهب ، فالمشهور في كنيته فتح الهاء ، وأما شمس بن مالك ، فلا يتعين أن يكون من تغيير الأعلام ، بل يمكن أن يكون مسمى بشمس المنقول من شمس الجمع ، كما جاء أذناب خيل شمس . قيل : وكني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه ، ولم يذكره تعالى باسمه لأن اسمه عبد العزى ، فعدل عنه إلى الكنية ، أو لأن الكنية كانت أغلب عليه من الاسم ؛ أو لأن ماله إلى النار ، فوافقت حالته كنيته ، كما يقال للشرير : أبو الشر ، وللخير أبو الخير ؛ أو لأن الاسم أشرف من الكنية ، فعدل إلى الأنقص ؛ ولذلك ذكر اللّه تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم ولم يكنّ أحدا منهم . والظاهر أن ما في
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ
نفي ، أي لم يغن عنه ماله الموروث عن آبائه ، وما كسب هو بنفسه أو ماشيته ، وما كسب من نسلها ومنافعها ، أو ما كسب من أرباح ماله الذي يتجر به . ويجوز أن تكون ما استفهاما في موضع نصب ، أي : أيّ شيء يغني عنه
هامش
( 1 ) سورة الحج : 22 / 10 . ( 2 ) سورة الشعراء : 26 / 214 .