تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
المذكور . وقيل : هو داع اليتيم غير الحاض ، وأن كلا من الأوصاف الذميمة ناشئ عن التكذيب بالدين ، فالمصلون هنا ، واللّه أعلم ، هم المنافقون ، أثبت لهم الصلاة ، وهي الهيئات التي يفعلونها . ثم قال :
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
، نظرا إلى أنهم لا يوقعونها ، كما يوقعها المسلم من اعتقاد وجوبها والتقرب بها إلى اللّه تعالى . وفي الحديث عن صلاتهم ساهون : « يؤخرونها عن وقتها تهاونا بها » . قال مجاهد : تأخير ترك وإهمال . وقال إبراهيم : هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا ملتفتا . وقال قتادة : هو الترك لها ، أو هم الغافلون الذين لا يبالي أحدهم أصلى أم لم يصل . وقال قطرب : هو الذي لا يقر ولا يذكر اللّه تعالى . وقال ابن عباس : المنافقون يتركون الصلاة سرا ويفعلونها علانية ،
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
« 1 » الآية ، ويدل على أنها في المنافقين قوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ
، وقاله ابن وهب عن مالك . قال ابن عباس : ولو قال في صلاتهم لكانت في المؤمنين . وقال عطاء : الحمد للّه الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم . وقال الزمخشري : بعد أن قدم فيما نقلناه من كلامه ما يدل على أن
فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ
في موضع رفع ، قال : وطريقة أخرى أن يكون
فَذلِكَ
عطفا على
الَّذِي يُكَذِّبُ
، إما عطف ذات على ذات ، أو عطف صفة على صفة ، ويكون جواب
أَ رَأَيْتَ
محذوفا لدلالة ما بعده عليه ، كأنه قال : أخبرني وما تقول فيمن يكذب بالجزاء ، وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين ، أنعم ما يصنع ؟ ثم قال :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
: أي إذا علم أنه مسيء ،
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
على معنى : فويل لهم ، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم لأنهم كانوا مع التكذيب ، وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مراءين غير مزكين أموالهم . فإن قلت : كيف جعلت المصلين قائما مقام ضمير
الَّذِي يُكَذِّبُ
، وهو واحد ؟ قلت : معناه الجمع ، لأن المراد به الجنس ، انتهى . فجعل فذلك في موضع نصب عطفا على المفعول ، وهو تركيب غريب ، كقولك : أكرمت الذي يزورنا فذلك الذي يحسن إلينا ، فالمتبادر إلى الذهن أن فذلك مرفوع بالابتداء ، وعلى تقدير النصب يكون التقدير : أكرمت الذي يزورنا فأكرمت ذلك الذي يحسن إلينا . فاسم الإشارة في هذا التقدير غير متمكن تمكن ما هو فصيح ، إذ لا حاجة إلى أن يشار إلى الذي يزورنا ، بل الفصيح أكرمت الذي يزورنا فالذي يحسن إلينا ، أو أكرمت الذي يزورنا فيحسن إلينا . وأما قوله : إما عطف ذات
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 142 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 553 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل