تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وأ يصبر أم يجزع إذا ضيق عليه ؟ لقوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
« 1 » . وقابل ونعمه بقوله :
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
، ولم يقابل
فَأَكْرَمَهُ
بلفظ فأهانه ، لأنه ليس من يضيق عليه الرزق ، كان ذلك إهانة له . ألا ترى إلى ناس كثير من أهل الصلاح مضيقا عليهم الرزق كحال الإمام أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني رضي اللّه تعالى عنه وغيره ، وذم اللّه تعالى العبد في حالتيه هاتين . أما في قوله :
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
، فلأنه إخبار منه على أنه يستحق الكرامة ويستوجبها . وأما قوله :
أَهانَنِ
، فلأنه سمى ترك التفضيل من اللّه تعالى إهانة وليس بإهانة ، أو يكون إذا تفضل عليه أقر بإحسان اللّه إليه ، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك تفضل اللّه إهانة ، لا إلى الاعتراف بقوله :
أَكْرَمَنِ
. وقرأ ابن كثير : أكرمني وأهانني بالياء فيهما ؛ ونافع : بالياء وصلا وحذفها وقفا ، وخير في الوجهين أبو عمرو ، وحذفها باقي السبعة فيهما وصلا ووقفا ، ومن حذفها وقفا سكن النون فيه . وقرأ الجمهور :
فَقَدَرَ
بخف الدال ؛ وأبو جعفر وعيسى وخالد والحسن بخلاف عنه ؛ وابن عامر : بشدها . قال الجمهور : هما بمعنى واحد بمعنى ضيق ، والتضعيف فيه للمبالغة لا للتعدي ، ولا يقتضي ذلك قول الإنسان
أَهانَنِ
، لأن إعطاء ما يكفيه لا إهانة فيه .
كَلَّا
: رد على قولهم ومعتقدهم ، أي ليس إكرام اللّه وتقدير الرزق سببه ما ذكرتم ، بل إكرامه العبد : تيسيره لتقواه ، وإهانته : تيسيره للمعصية ؛ ثم أخبرهم بما هم عليه من أعمالهم السيئة . وقال الزمخشري : كلا ردع للإنسان عن قوله ، ثم قال : بل هنا شر من هذا القول ، وهو أن اللّه تعالى يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدون فيها ما يلزمهم من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرة وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام ويحبونه فيشحون به ، انتهى . وفي الحديث : « أحب البيوت إلى اللّه تعالى بيت فيه يتيم مكرم » . وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو عمر : يكرمون ولا يحضون ، ويأكلون ويحبون بياء الغيبة فيها ؛ وباقي السبعة ، بتاء الخطاب ، وأبو جعفر وشيبة والكوفيون وابن مقسم : تحاضون بفتح التاء والألف أصله تتحاضون ، وهي قراءة الأعمش ، أي يحض بعضكم بعضا ؛ وعبد اللّه أو علقمة وزيد بن عليّ وعبد اللّه بن المبارك والشيرزي عن الكسائي : كذلك إلا أنهم ضموا التاء ، أي تحاضون أنفسكم ، أي بعضكم بعضا ، وتفاعل وفاعل يأتي بمعنى فعل أيضا .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 35 .