تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
مضى تبعه آخر إلى غير نهاية ، ولا يكاد يستعمل الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة ، كقول أبي تمام :
لقد أخذت من دار ماوية الحقب * أنحل المغاني لليلى أم هي نهب
ويجوز أن يتعلق للطاغين بمرصادا ، ويجوز أن يتعلق بمآبا . ولبثين حال من الطاغين ، وأحقابا نصب على الظرف . وقال الزمخشري : وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب إذا أخطأ الرزق فهو حقب ، وجمعة أحقاب ، فينتصب حالا عنهم ، يعني لبثين فيها حقبين جحدين . وقوله :
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً
تفسير له ، والاستثناء منقطع ، يعني : لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حر النار ، ولا شراب يسكن من عطشهم ، ولكن يذوقون فيها
حَمِيماً وَغَسَّاقاً
. انتهى . وكان قد قدم قبل هذا الوجه ما نصه : ويجوز أن يراد لابثين فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم ، والغساق من جنس آخر من العذاب . انتهى . وهذا الذي قاله هو قول للمتقدمين ، حكاه ابن عطية . قال : وقال آخرون إنما المعنى لابثين فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا ، فهذه الحال يلبثون أحقابا ، ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم . والذي يظهر أن قوله :
لا يَذُوقُونَ
كلام مستأنف وليس في موضع الحال ، و
إِلَّا حَمِيماً
استثناء متصل من قوله :
وَلا شَراباً
، وإن
أَحْقاباً
منصوب على الظرف حملا على المشهور من لغة العرب ، لا منصوب على الحال على تلك اللغة التي ليست مشهورة . وقول من قال : إن الموصوفين باللبث أحقابا هم عصاة المؤمنين ، أواخر الآي يدفعه ؛ وقول مقاتل : إن ذلك منسوخ بقوله :
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً
، فاسد . والظاهر ، وهو قول الجمهور ، أن البرد هو مس الهواء القرّ ، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر شدة الحر . وقال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي : البرد هنا النوم ، والعرب تسميه بذلك لأنه يبرد سورة العطش ، ومن كلامهم : منع البرد البرد ، وقال الشاعر :
فلو شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
النقاخ : الماء ، والبرد : النوم . وفي كتاب اللغات في القرآن أن البرد هو النوم بلغة هذيل ، والذوق على هذين القولين مجاز . وقال ابن عباس : البرد : الشراب البارد المستلذ ، ومنه قول حسان بن ثابت :