تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
واختار الزمخشري من الأقوال أن تكون
وَالْمُرْسَلاتِ
إلى آخر الأوصاف : إما للملائكة ، وإما للرّياح . فللملائكة تكون عذرا للمحققين ، أو نذرا للمبطلين ؛ وللرّياح يكون المعنى : فألقين ذكرا ، إما عذرا للذين يعتذرون إلى اللّه تعالى بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة اللّه في الغيث ويشكرونها ، وإما إنذارا للذين يغفلون عن الشكر للّه وينسبون ذلك إلى الأنواء ، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سببا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن ، أو كفرت ، قاله الزمخشري . والذي أراه أن المقسم به شيئان ، ولذلك جاء العطف بالواو في
وَالنَّاشِراتِ
، والعطف بالواو يشعر بالتغاير ، بل هو موضوعه في لسان العرب . وأما العطف بالفاء إذا كان في الصفات ، فيدل على أنها راجعة إلى العاديات ، وهي الخيل ؛ وكقوله :
يا لهف زيابة للحارث فالصا * بح فالغانم فالآئب
فهذه راجعة لموصوف واحد وهو الحارث . فإذا تقرر هذا ، فالظاهر أنه أقسم أولا بالرياح ، فهي مرسلاته تعالى ، ويدل عليه عطف الصفة بالفاء ، كما قلنا ، وأن العصف من صفات الريح في عدّة مواضع من القرآن . والقسم الثاني فيه ترق إلى أشرف من المقسم به الأول وهم الملائكة ، ويكون
فَالْفارِقاتِ
،
فَالْمُلْقِياتِ
من صفاتهم ، كما قلنا في عطف الصفات وإلقاؤهم الذكر ، وهو ما أنزل اللّه ، يصح إسناده إليهم . وقرأ الجمهور :
فَالْمُلْقِياتِ
اسم فاعل خفيف ، أي نطرقه إليهم ؛ وابن عباس : مشدد من التلقية ، وهي أيضا إيصال الكلام إلى المخاطب . يقال : لقيته الذكر فتلقاه . وقرأ أيضا ابن عباس ، فيما ذكره المهدوي : بفتح اللام والقاف مشددة اسم مفعول ، أي تلقته من قبل اللّه تعالى . وقرأ إبراهيم التيمي والنحويان وحفص :
عُذْراً أَوْ نُذْراً
بسكون الذالين ؛ وزيد بن ثابت وابن خارجة وطلحة وأبو جعفر وأبو حيوة وعيسى والحسن : بخلاف ؛ والأعشى ، عن أبي بكر : بضمهما ؛ وأبو جعفر أيضا وشيبة وزيد بن علي والحرميان وابن عامر وأبو بكر : بسكونها في عذرا وضمها في نذرا ، فالسكون على أنهما مصدران مفردان ، أو مصدران جمعان . فعذرا جمع عذير بمعنى المعذرة ، ونذرا جمع نذير بمعنى الإنذار . وانتصابهما على البدل من
ذِكْراً
، كأنه قيل : فالملقيات عذرا أو نذرا ، أو على المفعول من أجله ، أو على أنهما مصدران في موضع الحال ، أي عاذرين أو منذرين . ويجوز مع الإسكان أن يكونا جمعين على ما قررناه . وقيل : يصح انتصاب
عُذْراً
أو
نُذْراً
على المفعول به بالمصدر الذي هو
ذِكْراً
، أي فالملقيات ، أي فذكروا عذرا ، وفيه بعد لأن المصدر هنا
البحر المحيط في التفسير — صفحة 374 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل