تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
العظام ، وإن كان المعنى إعادة الإنسان وجمع أجزائه المتفرقة ، لأن العظام هي قالب الخلق . وقرأ الجمهور :
قادِرِينَ
بالنصب على الحال من الضمير الذي في الفعل المقدر وهو يجمعها ؛ وابن أبي عبلة وابن السميفع : قادرون ، أي نحن قادرون .
عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
: وهي الأصابع ، أكثر العظام تفرّقا وأدقها أجزاء ، وهي العظام التي في الأنامل ومفاصلها ، وهذا عند البعث . وقال ابن عباس والجمهور : المعنى نجعلها في حياته هذه بضعة ، أو عظما واحدا كخف البعير لا تفاريق فيه ، أي في الدنيا فتقل منفعته بها ، وهذا القول فيه توعد ، والمعنى الأول هو الظاهر والمقصود من رصف الكلام . وذكر الزمخشري هذين القولين بألفاظ منمقة على عادته في حكاية أقوال المتقدمين . وقيل :
قادِرِينَ
منصوب على خبر كان ، أي بلى كنا قادرين في الابتداء .
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ
، بل : إضراب ، وهو انتقال من كلام إلى كلام من غير إبطال . والظاهر أن
يُرِيدُ
إخبار عن ما يريده الإنسان . وقال الزمخشري :
بَلْ يُرِيدُ
عطف على
أَ يَحْسَبُ
، فيجوز أن يكون قبله استفهاما ، وأن يكون إيجابا على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر ، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب . انتهى . وهذه التقادير الثلاثة لا تظهر ، وهي متكلفة ، بل المعنى : الإخبار عن الإنسان من غير إبطال لمضمون الجملة السابقة ، وهي نجمعها قادرين ، لنبين ما هو عليه الإنسان من عدم الفكر في الآخرة وأنه معني بشهواته ؛ ومفعول
يُرِيدُ
محذوف يدل عليه التعليل في
لِيَفْجُرَ
. قال مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي : معنى الآية : أن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبدا قدما راكبا رأسه مطيعا أمله ومسوفا بتوبته . قال السدي أيضا : ليظلم على قدر طاقته ، وعلى هذا فالضمير في
أَمامَهُ
عائد على الإنسان ، وهو الظاهر . وقال ابن عباس : ما يقتضي أن الضمير عائد على يوم القيامة أن الإنسان في زمان وجوده أمام يوم القيامة ، وبين يديه يوم القيامة خلفه ، فهو يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي يوم القيامة ، وهو لا يعرف القدر الذي هو فيه ؛ والأمام ظرف مكان استعير هنا للزمان ، أي ليفجر فيما بين يديه ويستقبله من زمان حياته .
يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ
: أي متى يوم القيامة ؟ سؤال استهزاء وتكذيب وتعنت . وقرأ الجمهور :
بَرِقَ
بكسر الراء ؛ وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم وعبد اللّه بن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني وابن مقسم ونافع وزيد بن علي وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب ، كلاهما عن أبي عمرو ، والحسن والجحدري : بخلاف عنهما بفتحها .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 345 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل