قوله تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
« 1 » ، والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي ، وكان قد أنشد قول امرئ القيس :
لا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي القوم إني أفرّ
وقول غوية بن سلمى :
ألا نادت أمامة باحتمالي * لتحزنني فلا بك ما أبالي
قال : فهلا زعمت أن لا التي للقسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له ، وقدرت المقسم عليه المحذوف هاهنا منفيا ، نحو قولك :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ
، لا تتركون سدى ؟ قلت : لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ ، ولكنه لم يقسم . ألا ترى كيف لقي
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
« 2 » بقوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
« 3 » ، وكذلك
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
« 4 » ،
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
« 5 » ؟ ثم قال الزمخشري : وجواب القسم ما دل عليه قوله :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ
، وهو لتبعثن . انتهى ، وهو تقدير النحاس . وقول من قال جواب القسم هو :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ
. وما روي عن الحسن أن الجواب :
بَلى قادِرِينَ
، وما قيل أن لا في القسمين لنفيهما ، أي لا أقسم على شيء ، وأن التقدير : أسألك أيحسب الإنسان ؟ أقوال لا تصلح أن يرد بها ، بل تطرح ولا يسود بها الورق ، ولولا أنهم سردوها في الكتب لم أنبه عليها .
والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث .
روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
يا محمد ، حدّثني عن يوم القيامة متى يكون أمره ؟ فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن به ، أو يجمع اللّه هذه العظام بعد بلاها ، فنزلت .
وقيل :
نزلت في أبي جهل ، كان يقول : أيزعم محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن يجمع اللّه هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها فيعيدها خلقا جديدا ؟
وقرأ الجمهور :
نَجْمَعَ
بنون ،
عِظامَهُ
نصبا ؛ وقتادة : بالتاء مبنيا للمفعول ، عظامه رفعا ، والمعنى : بعد تفرّقها واختلاطها بالتراب وتطيير الرياح إياها في أقاصي الأرض . وقوله :
أَ يَحْسَبُ
استفهام تقرير وتوبيخ ، حيث ينكر قدرة اللّه تعالى على إعادة المعدوم .
بَلى
: جواب للاستفهام المنسخب على النفي ، أي بلى نجمعها . وذكر
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 65 .
( 2 ) سورة البلد : 90 / 1 .
( 3 ) سورة البلد : 90 / 4 .
( 4 ) سورة الواقعة : 56 / 75 .
( 5 ) سورة الواقعة : 56 / 78 .