لكم لا تكونون على حال ما يكون فيها تعظيم اللّه إياكم في دار الثواب ، وللّه بيان للموقر ، ولو تأخر لكان صلة ، أو لا تخافون للّه حلما وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا . وقيل : ما لكم لا تخافون للّه عظمة . وعن ابن عباس : لا تخافون للّه عاقبة ، لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب من وقر إذا ثبت واستقر . انتهى . وقيل : ما لكم لا تجعلون رجاءكم للّه وتلقاءه وقارا ، ويكون على هذا منهم كأنه يقول : تؤدة منكم وتمكنا في النظر ، لأن الفكر مظنة الخفة والطيش وركوب الرأس . انتهى . وفي التحرير قال سعيد بن جبير : ما لكم لا ترجون للّه ثوابا ولا تخافون عقابا ، وقاله ابن جبير عن ابن عباس . وقال العوفي عنه : ما لكم لا تعلمون للّه عظمة ؛ وعن مجاهد والضحاك : ما لكم لا تبالون للّه عظمة . قال قطرب :
هذه لغة حجازية ، وهذيل وخزاعة ومضر يقولون : لم أرج : لم أبال . انتهى .
لا تَرْجُونَ
: حال ،
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
: جملة حالية تحمل على الإيمان باللّه وإفراده بالعبادة ، إذ في هذه الجملة الحالية التنبيه على تدريج الإنسان في أطوار لا يمكن أن تكون إلا من خلقه تعالى . قال ابن عباس ومجاهد من : النطفة والعلقة والمضغة .
وقيل : في اختلاف ألوان الناس وخلقهم وخلقهم ومللهم . وقيل : صبيانا ثم شبابا ثم شيوخا وضعفاء ثم أقوياء . وقيل : معنى
أَطْواراً
: أنواعا صحيحا وسقيما وبصيرا وضريرا وغنيا وفقيرا .
قوله عزّ وجل :
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ، لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً ، قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً ، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ، وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا ، مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ، وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
.
لما نبههم نوح عليه السلام على الفكر في أنفسهم ، وكيف انتقلوا من حال إلى حال ، وكانت الأنفس أقرب ما يفكرون فيه منهم ، أرشدهم إلى الفكر في العالم علوه وسفله ، وما أودع تعالى فيه ، أي في العالم العلوي من هذين النيرين اللذين بهما قوام الوجود . وتقدم