تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
سيبويه ، ومنع ذلك أهل الكوفة ، لأنه إذا أكد عندهم لا يلغى . ويجوز أن يكون في النار خبرا ، لأن
خالِدَيْنِ
خبر ثان ، فلا يكون فيه حجة على مذهب سيبويه . ولما انقضى في هذه السورة ، وصف المنافقين واليهود . وعظ المؤمنين ، لأن الموعظة بعد ذكر المصيبة لها موقع في النفس لرقة القلوب والحذر مما يوجب العذاب ، وكرر الأمر بالتقوى على سبيل التوكيد ، أو لاختلاف متعلق بالتقوى . فالأولى في أداء الفرائض ، لأنه مقترن بالعمل ؛ والثانية في ترك المعاصي ، لأنه مقترن بالتهديد والوعيد . وقرأ الجمهور :
وَلْتَنْظُرْ
: أمرا ، واللام ساكنة ؛ وأبو حيوة ويحيى بن الحارث : بكسرها . وروي ذلك عن حفص ، عن عاصم والحسن : بكسرها وفتح الراء ، جعلها لام كي . ولما كان أمر القيامة كائنا لا محالة ، عبر عنه بالغد ، وهو اليوم الذي يلي يومك على سبيل التقريب . وقال الحسن وقتادة : لم يزل يقر به حتى جعله كالغد ، ونحوه : كأن لم تغن بالأمس ، يريد تقريب الزمان الماضي . وقيل : عبر عن الآخرة بالغد ، كأن الدنيا والآخرة نهاران ، يوم وغد . قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد بقوله :
لِغَدٍ
: ليوم الموت ، لأنه لكل إنسان كغده . وقال مجاهد وابن زيد : بالأمس الدنيا وغد الآخرة . وقال الزمخشري : أما تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة ، كأنه : قيل لغد لا يعرف كنهه لعظمه . انتهى . وقرأ الجمهور :
لا تَكُونُوا
بتاء الخطاب ؛ وأبو حيوة : بياء الغيبة ، على سبيل الالتفات . وقال ابن عطية : كناية عن نفس التي هي اسم الجنس ؛
كَالَّذِينَ نَسُوا
: هم الكفار ، وتركوا عبادة اللّه وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى ، وهذا تنبيه على فرط غفلتهم واتباع شهواتهم ؛
فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
، حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب ، وهذا من المجازاة على الذنب بالذنب . عوقبوا على نسيان جهة اللّه تعالى بأن أنساهم أنفسهم . قال سفيان : المعنى حظ أنفسهم ، ثم ذكر مباينة الفريقين : أصحاب النار في الجحيم ، وأصحاب الجنة في النعيم ، كما قال :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
« 1 » ، وقال تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
« 2 » .
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ
: هذا من باب التخييل والتمثيل ، كما مر في قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ
« 3 » ، ودل على ذلك :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ *
« 4 » ، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه ، وعدم تأثره لهذا الذي لو أنزل على
هامش
( 1 ) سورة السجدة : 32 / 18 . ( 2 ) سورة ص : 38 / 28 . ( 3 ) سورة الأحزاب : 33 / 72 . ( 4 ) سورة العنكبوت : 29 / 43 .